د. فالح العجمي

الحلم الأمريكي إلى أين؟

لا شك أن كثيراً من الناس وأغلب مجتمعات البشر في العصر الحديث، قد سمعوا عن مقولة سادت في القرن الميلادي الماضي عن الحلم الأمريكي في الحياة، وتحقيق الذات في العالم الجديد (كما كان يسميه الأوروبيون المهاجرون إلى الولايات المتحدة الأمريكية)، لانتقالهم بتلك الهجرة من العالم القديم (أوروبا وقارات العالم المعروفة قديماً) إلى القارة الرحبة من العالم المكتشف قبل قرون قليلة. ومثلما كان اليهود يحلمون في عصور الشتات، التي عاشوها خارج أرض الميعاد، بالعودة إلى الأرض المقدسة الموعودة لهم منذ أمد بعيد، كما تشير إلى ذلك مدوناتهم الدينية؛ فإن الأوروبيين وبعض المهاجرين من بلاد الدنيا الأخرى كانوا ينظرون إلى هذه البلاد الجديدة بوصفها مكان تحقيق أحلامهم بدءاً من وجود العمل والحياة الرغيدة إلى اتساع الأرض وإمكان أن يحصلوا على ما يكون بإمكانهم الحصول عليه في بلدانهم الأصلية. والشيء نفسه توسع حتى في الداخل الأمريكي، وأصبحت ثقافة يتناقلها الأحفاد عن الأجداد، خاصة من ذوي الأصول الأفريقية، الذين أحسوا بقيمتهم بعد أن تحرروا من العبودية، وبالدرجة الأولى بعد ثورة (لوثر كنج)، الذي أعطى تحركه المدعوم شعبياً بقطاع عريض من بني جنسه للسود في تلك البلاد الحق في الكرامة والمساواة مع ذوي الأصول الأوروبية من العرق الأبيض. وسارت الأمور على ما يرام مع صعود نجم هذه البلاد الجديدة وهيمنتها على الساحة الدولية لقرابة سبعة عقود؛ بدءاً من السيطرة العسكرية وهيمنة الاقتصاد الأمريكي على العالم بفارق كبير جداً عن البلدان التي تتلوه في القائمة، إلى سيطرة الفن الأمريكي في الغناء وصناعة السينما، بالإضافة إلى هيمنة كبيرة جداً في أغلب التقنيات والابتكارات العلمية. لكن الأمور لم تستمر في القرن الحادي والعشرين على ما هي عليه في قرن الحلم الأمريكي؛ فقد تغيرت كثير من عوامل ذلك الحلم. إذ لم يعد أغلب المواطنين الأمريكيين أو المهاجرين إلى ما كان يسمى "العالم الجديد" يشعرون بأحلامهم تتحقق، أو يكون لهم الحق في الحلم منذ سن الطفولة أو الشباب، أو منذ أن تطأ أقدامهم أرض المعجزات والمستقبل الباهر لعدد غير قليل من المهاجرين من آسيا أو أمريكا الجنوبية، وقبلهم من نواحي القارة الأوروبية وأفريقيا وبعض العرب ممن هاجروا في أوائل القرن الماضي. الآن، أصبح الحلم مرتبطاً بنجاح فردي يحققه المرء في عمله أو إبداع فني (خاصة من ذوي العلاقات والمحظوظين الذين يدخلون إلى عوالم هوليوود)، أو قدرة رياضية مميزة، خاصة في كرة السلة أو كرة القدم الأمريكية. والقضية المؤرقة للأمريكيين حالياً لم تعد في الفرص الوظيفية النادرة أو المكاسب الاستثنائية، التي كانت تتيحها هذه البلاد الجاذبة لكثير من الأعراق والشباب الطامحين في أنحاء العالم كله في زمن من الأزمان فحسب؛ بل تجاوزت ذلك إلى مدى قدرة الناس على العيش بسلام في عدد من المدن الأمريكية، والحصول على مستوى مناسب من المعيشة الكريمة. فمنذ مطلع القرن الحالي والأراضي الأمريكية تعيش قلقاً لم يكن موجوداً في فترات الحلم الامبراطوري؛ بدءاً من سنوات الإرهاب في السنوات الأولى من مطلع هذا القرن، إلى حالات العجز الاقتصادي والانكفاء السياسي والعسكري عن تمدد القوة الأمريكية، التي هيمنت في ثمانية عقود تقريباً، في نطاق قطب ثنائي مع الاتحاد السوفييتي في ستة عقود، ثم في عقدين من التفرد بقيادة العالم. غير أن الأزمات والانهيارات البنكية، وما تلاها من كوارث اقتصادية جعلت البلاد تتحول من سخونة القيادة إلى برودة الفرجة؛ وبذلك انتقل المواطن من الحالم إلى الواقعي!