«المعارك»
لكل فرد حياة حافلة بالمشاهد والأحداث، تحمل نقاط تحول، قد تكون إيجابية، قد تكون سلبية، الحياة أشبه بفيلم يحمل مشاهد لوحات ملونة ومختلفة، ذات قيمة وقد لا تكون كذلك، الحياة تحمل الشيء ونقيضة، نجاح وفشل، إنجازات وإرهاصات، كل شيء في حياة الفرد يثري التجربة ويزيد الخبرة، بالنقيض نعرف قيمة الأشياء وأهميتها، في شريط الحياة أشياء حولك لا دخل لك بها، لكنك تتأثر بها سلبا وإيجابا، كل العجين الذي حولك يحدد ملامح الشخصية وسماتها، يجسد مزايا وخصائص الشخصية.لو قُدّر للفرد أن يسجل في سيرة حياته كل صغيرة وكبيرة، لتعددت المجلدات التي تسرد واقعها، السيرة الذاتية مجسم لكيان الفرد، ويختلف الأفراد في سيرتهم الذاتية، هل هي سيرة عطاء أم سيرة استعراض؟! هناك سيرة (شهادتك) على الأحداث والأشياء التي تعيش، الفرد العادي شاهد على الأحداث العالمية وليس صانعا لها، عندها يكون شاهدا على الربح والخسارة من منظوره الشخصي. الصدق أعظم محور في السيرة الذاتية، البعض يؤلف سيرته بخيوط الوهم، يحاولون جعلها حقيقة، تقول العرب: (حبل الكذب قصير)، وتقول أيضا: (الميدان ياحميدان)، الميدان يأتي بالحكم النهائي على سيرتك، هناك أشياء لا تحويها السيرة الذاتية، غير مهم معرفتها، رغم أهميتها، ماذا تذكرون في سيرتكم الذاتية من أحداث؟! تتعدد الأسماء في حياتنا، أتساءل عن نقاط لا تظهر في سيرتهم، نقاط ملهمة ومهمة، أقول هذا بمناسبة فسح كتاب (كفاحي) في ألمانيا، كتاب هتلر، قائد ألماني، لو أن الله أخذ روحه قبل بدء الحرب العالمية الثانية، لسجل التاريخ شخصيته كأعظم إنسان على وجه الأرض، لكثرة إنجازاته في زمن قياسي، تقول العرب: (الزين ما يكمل)، لن أقارن شريط حياتي بشريط حياة هتلر، شارك في قتل أكثر من (50) مليون آدمي في حرب استمرت حوالي (4) سنوات، لكنه أعطانا بالقتل درسا لم تتعلمه البشرية بعد، هذا يعني أنه ليس المجرم الوحيد.تغيرت محاور حياتي وفقا لرتب إنجازاتي، كل محور بنشاط واحداث ومشاهد، اعتبرت المراحل الدرسية محاور رئيسية في حياتي. كل مرحلة بمشاهد عصف مثيرة، وسّعت مساحات الإدراك والتفكر والتدبر والتأمل، ظلت أحداثها عالقة في الذهن، تعاظمت أهميتها في حينه، كانت أشبه بالبذور، نُلقي بها في الأرض، تنبت زرعا أخضر حسب ظروف الإنبات وشروطه.المرحلة الابتدائية: في أول يوم دراسي بمدينة بقيق، انحرق حي البادية القريب من المدرسة، كان ذلك أول حادثة حريق أشاهدها، الرئيس العراقي عبدالكريم قاسم يهدد باجتياح الكويت، منعه عقله، وبعض التهديد من دول كثيرة، كانت تلك بداية المصائب العربية التي تلقيتها منذ الصغر، مع تخرجي من سادسة ابتدائي قامت حرب الأيام الخمسة، حرب نكسة (67)، عصفت نتائجها بالعرب حتى اليوم، هكذا خسر العرب الأرض والحرب، لكنهم كسبوا شهادتي الابتدائية وشهادتي على الهزيمة.في المرحلة المتوسطة: استطاع الإنسان الصعود إلى القمر، حصل العرب على شهادتي المتوسطة، في هذه المرحلة بعثت برسالة إلى صفحة التعارف في مجلة لبنانية اختفت من الوجود، قلت فيها إن هوايتي التمثيل ومن أنصار فريد شوقي. وفي هذا مدلوله العربي، كانت الرسائل وسيلة وحيدة أمام جيلي، ثم جاءت وسائل الاتصال الاجتماعي الحديثة، وما زالت نفس الرسائل قائمة، عشت جميع وسائل الاتصال، القديمة والحديثة، منها مراسيل مناديل الحب، وزخرفة النقش الذي يحمل، كان يوحي ويقول. في المرحلة الثانوية: مات جمال عبدالناصر، رسبت في الثانوية العامة، انتقلت للرياض، قامت حرب أكتوبر 73، انتصر العرب وانهزموا، أيضا انتصروا وانهزموا بحصولي على الثانوية (منازل)، في الجامعة مع أول فصل دراسي مات الملك فيصل، حضرت جنازته ومشهدها المثير. خسر محمد علي كلاي لقبه العالمي في الملاكمة، ماتت كل أبقار الكلية بمرض الطاعون. ماتت جدتي لأمي التي أحب، تزوجت، انقلبت بالسيارة، قامت ثورة الخميني. في الماجستير كانت مجزرة صبرا وشاتيلا، وكان الغزو الإسرائيلي للبنان، ضربت أمريكا ليبيا، كانت الحرب بين إيران والعراق. في الدكتوراة كانت الحرب الكونية على العراق، اجتاح صدام حسين الكويت، جاء العالم لتحريرها، عرفناها بمعركة تحرير الكويت، سمّاها صدام حسين معركة (أم المعارك)، كنت شاهدا على بدايتها، وشاهدا على صدق تسميتها، السؤال الكبير: كيف جاءت التسمية ولماذا؟! هناك أسرار، عدم معرفتها جزء من معاركنا في الحياة.