جنون البنزين
جنون البنزين الذي استعر مع رفع سعره في بلداننا النفطية كان - آخر من أعلنت رفع سعره هي قطر -، أصاب الناس بتذمر، ولكن تفاوت تقبل الناس للقرار بسبب التمهيد له والوضع المعيشي بين الدول النفطية كان الفارق، إلا أنه لم يفلح هذا الانذار العملي من إدراك حقيقة أن هذه هي البداية وحسب. ولنُذكّر بأقسى تقرير صدر عن صندوق النقد العام المنصرم محذراً من "خسارة دول الخليج العربية تريليون دولار خلال السنوات الخمس المقبلة بسبب انخفاض أسعار النفط، الأمر الذي يفرض عليها اتخاذ إجراءات للتكيف مع الواقع الجديد". ولكني أعتبره عهداً جديداً، يستدعي تنظيم الأمور وسن الخطط المستقبلية وليس فقط استبدالها بالخطط الوقتية والطارئة، والانتظار حتى "يغدو الشر"، فهذه أكبر مشاكلنا وهي المتسبب في عجز الميزانيات، فخطط التقشف لم يبدأ مفعولها بعد. أقدر كثيراً تعامل المملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة مع هذا الظرف بميزان معتدل، مقياسه الشفافية والنظرة المستقبلية، ففي الوقت الذي كشفت فيه السعودية عن قيمة العجز، عالجت تلك الصعوبة بخطة ادخار وبقرارات تنظيمية تمسك التبذير الذي تتسم به أنظمتنا في دولنا النفطية على كل حال، والذي تسبب في حالة التقشف المعلن عنها في دولنا الخليجية على اثر العمل بنصيحة خبراء صندوق النقد الدولي، وخطط التقشف تلك تعتبر أحد الحلول الآنية لوضع اقتصادي مجهول وسيئ في ظل توقعات تشاؤمية، وعليه تم تقبل تعديل أسعار البنزين والكهرباء والمياه بالسعودية، وان كانت الاسعار السعودية تبقى الأقل بالمنطقة ولكنها ارتفعت على الاهالي. في حين ضج الشارع البحريني قبل أيام حين اتخذ قرار مفاجئ لم يمهد له برفع أسعار البنزين وللمرة الثانية (نسبة الارتفاع بلغت 50 بالمئة وهي الأعلى)، في ظل وضع مزعج بسوق العمل مع سلسلة إقالات تبنتها شركات القطاع الخاص لتدني مستوى النشاط ترتب عليه ارتفاع أعداد العاطلين، لذا فإن قرارات مفاجئة كهذه لن تكون مقبولة. يستحق الناس أن يكونوا على دراية، وسيساهم ذلك في امتصاص الغضب وتقبلهم لأي طارئ يضيق عليهم معيشتهم، وبالتالي يحفظ السلم الأهلي ويمتص تذمر الناس لتوقعهم بما سيحدث سلفاً والاستعداد له. أن تتخذ الحكومة تدابير احترازية فهذا من حقها، ولكن من حق الناس أيضا ان يعرفوا الوضع الحقيقي لاقتصادهم، ولعل أسوأ ما هنالك هو بعض إعلامنا الذي ما فتئ في تطمين العامة أن "الوضع بخير" ليطمئن الناس ويشككوا في الحقيقة. لابد أن يعي الناس ما يجري ويعيدوا ترتيب أولوياتهم، وليغيروا أسلوب معيشتهم المترف، فالوضع القادم صعب، فاللتّو استوعبوا أن أكثر المتضررين جراء ارتفاع سعر البنزين هم من يملكون أكثر من سيارة أو من يملكون السيارات الباهظة التي تحتاج لمخزون كبير من البنزين، والمشكلة أغلبهم مديونون للبنوك بسبب سياراتهم تلك.