الحطيئة وابن زيدون أديبان في العربية
هل يعرف كثير من المتعلمين في مدارسنا هذين العلمين في الثقافة العربية؟ وهل تعرّج على فكرهم المناهج الدراسية، التي تتناول أدبنا القديم والوسيط؟ ربما يتفاجأ المتابع الموضوعي لما يُطرح في نصوص الأدب في مراحله المختلفة، أن هذين النموذجين غير ممثلين في المختارات التي تقدمها تلك المناهج. وقد يعرف المطلعون على بواطن الأمور أسباب مثل هذا التحيز؛ فهما على اختلافهما الصارخ في طريق كل منهما وموقعه في مجتمعه، إلا أنهما يمثلان النموذج غير المرغوب في خضم السير على تضخيم صفات سلوكية ومبادئ منتقاة، وفي الغالب تكون غير واقعية. لذلك رأينا تركيز الانتباه على شعراء يخدمون فكرة النموذج الواحد المتسق مع ما يمكن أن نطلق عليه طريق «الهياط» و «الدهولة»؛ فكان طبيعياً أن نجد كلاً من عمرو بن كلثوم وجرير والفرزدق وأبي تمام والبحتري والمتنبي في رأس القائمة، لأنهم يخدمون فكرة سيطرة المثالية على سلوك الناس ورموزهم الثقافية والاجتماعية، ويُرضون تعطش العربي للمبالغات وترديد الكذب على نفسه حتى يصدقه. أما الأدباء، الذين يكونون صادقين في تجاربهم الشعرية، أو معبرين بصدق عن واقع وأحاسيس يصفونها في نصوص مدوية في نقل تلك الصور إلى المتلقي، فلم يهتموا بها في تقديمها إلى الناشئة في المدارس، أو إلى غير المتخصصين في مختارات سهلة ومبوبة بطريقة تخدم بها غرض التعريف بتلك النماذج المختلفة عن الخطوط العامة، التي يراد القول بأنها عامة للجميع وفي كل الأحوال والعصور. ونستثني بالطبع المتخصصين من ذلك الاستهداف، لأنهم بطبيعة الحال سيطلعون على كل أنماط الأدب وحالاته الشائعة والكاذبة والنادرة. على أن هذين النموذجين يختلفان أيضاً فيما بينهما اختلافاً كبيراً، لكن كلاً منهما كان صادقاً في التعبير عن بيئته، وفي نقل ما يدور من حوله إلى فضاء الأدب في أساليب شائقة وصور غاية في الدقة والإتقان. فالأول أبدع في تصوير أوضاع حياة العرب في شبه الجزيرة العربية آنذاك، متعمداً ذكر كل ما يراه مهما للمتلقي في استيعاب الفكرة وتصوّر ذلك الوضع؛ ليس فيما يخص الأمور الحسية فحسب، بل أيضاً في كثير من دواخل النفس البشرية، وإحساس الإنسان بتلك الوحشة في صحاري شبه الجزيرة المقفرة، مما لم يرُق لمريدي الفذلكة وتزويق الرؤية، لتصبح ذات نمط واحد مرسوم مسبقاً، ولا يختلف فيه مجتمع عن آخر يعيش في بيئة أخرى، ولا فرد عن غيره في تلك البيادر. كما قام الثاني بنقل صور رائعة (في جمالها وغناها أيضاً، كما هي الحال في البيئة الأندلسية التي عاش فيها)، وتقديم أوصاف صادقة للعلاقات الاجتماعية، والمساحات الإنسانية في حياة ذلك المجتمع العربي في شبه الجزيرة الإيبيرية ذات الجمال الأخاذ في الطبيعة والبشر، وأطر التسامح الفكري الذي ساد في تلك الحقبة وذلك الموضع من البيئات العربية الواسعة التنوع. لكن صانعي الأنساق الفكرية المحدودي الأفق وذوي الأهداف المسبقة الصنع بتهيئة الأطر الملائمة للهيمنة الأحادية، وتصوير كل البيئات العربية على أنها ذات نمط واحد، لا يحيد عن تلك الأشكال المذكورة أعلاه؛ أعرضوا عن مثل هذه النماذج، لأنها توقعهم في اضطراب، عندما يكتشف المتلقون أن هناك تنوعاً في الثقافة العربية قبل الإسلام وبعده. كما يجعل الأفراد الذين يريد لهم المؤدلِجون أن يكونوا أتباعاً، يتساءلون عن سر ذلك التنوع، ولماذا لم يستمر في عصور الانفجار الثقافي بعد سيطرة العولمة، وانتشار الوسائط التي تقوم بمواءمة آنية للواقع بدءاً من تصوير مجريات الحياة اليومية عبر الوسائل الحديثة إلى التواصل بين بيئات العالم المختلفة.