د. فالح العجمي

عندما نصدّر المهاجرين والنفايات

في الآونة الأخيرة ظهرت منطقة الشرق العربي على الساحة الدولية بوصفها بؤرة اضطراب ومصدر توتر سياسي واجتماعي، ليس لأصحابها فحسب، بل أيضاً لبقية مناطق العالم، بما في ذلك عمليات الإرهاب التي أشعلت تلك القلاقل أوارها، وجعلتها تنتقل إلى كثير من البقاع، التي كانت تُعد آمنة والحياة فيها سلسة ورغيدة. كما أسهمت تلك الأوضاع أيضاً في اكتساح أفواج كبيرة جداً الأراضي الأوروبية والأمريكية تبعاً لذلك، وصلت إلى مئات الآلاف في فترة وجيزة، وأحوال هذه المنطقة تشي بمزيد من عمليات النزوح الواسعة، التي تتسبب فيها الحروب والأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة للناس الذين يهربون من جحيم هذه الحروب. ومن يطلع على تاريخ المنطقة العربية في العصر الحديث، سيعرف أن هناك حركة هجرة كبيرة كانت قد جرت في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وكان المتسبب فيها الأوضاع المعيشية غير المريحة في المنطقة، ومساحات الصراعات المحلية، أو بين القوى الكبرى على مصالحها في أي من بلدان هذه البقعة الاستراتيجية. وكانت الهجرة الكبرى أغلبها من بلدان الشام إلى الولايات المتحدة الأمريكية، أو بعض بلدان أمريكا اللاتينية، ومنهم من حط به المقام في بعض البلدان الأوروبية. وقد ذاب أغلب أولئك المهاجرين في ثقافات تلك المناطق الجديدة، وكانوا مؤثرين في بناء بعض الإسهامات المهمة هناك. وكأن تلك الحقبة قد عادت مرة أخرى بعد قرن كامل على حدوث الهجرة الكبرى الأولى؛ فما نتحدث عنه في هذه المقالة كان قد بدأ منذ أواخر القرن الماضي (القرن العشرين) لكن كثافته قد زادت في السنوات الأخيرة، خاصة من كل من العراق وسوريا بعد أحداث التهجير القسري والعمليات العسكرية العبثية في عدد من أقاليم هذه المساحة الممتدة بين شرق المتوسط إلى الرافدين. كما أن نوع الهجرة هذه المرة أكثر مرارة، وفي ظروف تصاحبها قسوة وآلام نفسية لم تكن معهودة في التجربة السابقة، إضافة إلى أن تقبل المجتمعات المضيفة للمهاجرين في المرة الأولى غير موجود في هذه المرة؛ فقد أحدثت هذه الموجة من النزوح الجماعي مشكلات سياسية في بعض البلدان الأوروبية، وجدل سياسي في الولايات المتحدة الأمريكية، بسبب عدم قبول مبدأ استضافة أصحاب هذه الثقافة، التي أصبحت في مخيلتهم مرتبطة بالإرهاب وكراهية الثقافات الأخرى. وهذا بالطبع جعل بعض الأحزاب اليمينية أو القوى المتطرفة تصبح أكثر قوة من خلال تبني رفض سياسات استقبال أعداد كبيرة منهم. أما القضية الثانية، التي تميزنا بالقدرة على تصديرها في هذا الزمن الرديء، فهي النفايات التي تكدست بها شوارع بيروت، وأصبحنا أول من يبتكر تصدير هذا المنتج إلى الخارج، فبعد أخذ ورد بين السياسيين اللبنانيين - مع خلو مقعد الرئاسة وعدم فاعلية البرلمان والحكومة - لفترة طويلة؛ تفتقت أذهانهم عن فكرة حل هذه المشكلة العويصة، التي نشأت عن تناطح الرؤوس، وعدم الاهتمام بمشكلات المواطن البسيط، الذي يريد من أي سلطة تتصدى للهيمنة والتصرف في الشأن العام، أن توفر الحد الأدنى من الخدمات المتمثلة في جوانبها المعنوية والمادية. وإذا كانت المعنوية تمتد من الأمن إلى نشر هيبة القانون، وبسط نفوذ المؤسسات العامة، فإن الجوانب المادية تُعنى بالدرجة الأولى بتوفير العناصر الأساسية على أقل تقدير؛ بدءاً بالماء والكهرباء وتعبيد الطرق وبناء أرصفة المشاة، إلى الاعتناء بصحة المواطنين، والاهتمام بخدمات الصرف الصحي ونظافة الشوارع وإنارتها ليلاً، وتوفير الخدمات اللازمة التي يحتاجها المواطنون في أغلب شؤونهم، فلماذا لم يهتم المعنيون في شوارع بيروت بتلك المهمة، ثم فكروا في تصديرها؟