«عليها ومنها السلام ابتدا»
منذ سنوات، وأنا أتساءل لماذا تخبئ أجهزتنا الإعلامية الأغاني الوطنية في الأدراج حتى تأتي مناسبة ما؟ بل إنها من النادر أن تستخدمها حتى في المناسبات التي تتطلب ذلك مع أنها واحدة من أهم أسباب الارتباط بالوطن وتجديد الإحساس به، والولاء له وبخاصة في عقول الصغار، ومتى نجد هذه الأغاني تشكل جزءا من برنامج الطابور الصباحي في مدارس أبنائنا؟ وهو أمر لم يحدث لأسباب إدارية تقليدية، أو أسباب دينية حين كان المتشددون يسيطرون على المدارس ويتحكمون في البرامج، ويرفعون شكوى تلو أخرى فيمن يتجرأ ويقدم شيئاً مختلفاً في مدرسته أو حتى كليته. وذاك السؤال كان يأخذني للمقارنة بين ما نحن عليه هنا، وماهو معمول به في دول الخليج بالجوار وقد كانت الكويت، وما زالت من أوائل الدول التي لا تغيب فيها الأغنية الوطنية عن عقول الناس وقلوبهم؛ فهم يتغنون بها في كل حين كبارهم قبل صغارهم. واليوم أجدها تتردد على ألسنتهم من حين لآخر على برامج التواصل الاجتماعي، ومن الجميع بلا استثناء حتى من تلك التي تصور وهي تطهو طبقاً معيناً، أو تستعد لحفل ما. يتغنون بها في البيت والسوق والمدرسة. وتأتي الإمارات في المرتبة الثانية في هذا الشأن، ففي الإذاعة لا يمكن أن يمر يوم دون أن تسمع أغنية وطنية ولو ذهبت إلى المراكز التجارية فستجد لها حضوراً يومياً، حتى صرنا نحن نردد مع الكويتيين ومع أهل الإمارات كل تلك الأغاني التي يترنمون بها في كل وقت. ومما لا شك فيه أن كل هذا يسهم في النهاية في تعزيز أواصر القربى بين المواطن ووطنه، ولهذا ستجد من أولئك تعاملاً مختلفاً مع الأحداث والحالات الطارئة التي تمر عليهم، وآخر مثال يمكنني أن استشهد به هو حادثة حريق الفندق الذي حدث في دبي في الوقت الذي كانت تستعد فيه للاحتفال برأس السنة الميلادية فمتابعة بسيطة لمشاركة الناس في التعليق على الحدث وجدت أن المواطن الاماراتي اعتبر نفسه أحد رجال الإعلام فلم يتوقف أحدهم عند المساوئ، أو راح ينتقد ويشتم ويولول ويطالب بإسقاط ذاك الوزير أو المدير أو راح يسارع بالتقاط الصور السلبية وينشرها بشكل عاجل. حقيقة لقد بهرني تعامل الإنسان الإماراتي مع الحدث فالتعليقات كانت كلها ايجابية وتدعو للتفاؤل وتشكر وتقدر منذ اللحظة الأولى للحدث وحتى اليوم التالي رغم الارتباك الذي حدث حينها في استكمال الحفل، والذي تعودنا نحن على التوقف عنده في الأحداث الطارئة لدينا. وقبل هذا الحدث كانت بعض المراكز التجارية هناك تضع الأغاني الوطنية احتفالاً بسفر الجنود للمشاركة في التحالف العربي ضد الحوثيين في اليمن، وتضعها حين يعودون وتردد البلاد كلها:حرام أموت في فراشي وأنا جندي أفضل موتيه في خدمة بلادي أسطر للملا في ملحمة مجدي اماراتي أنا وافخر بأمجادي.***وعند نافورة دبي الشهيرة لا تغيب أغنية حفظها المواطن والسائح وصار يردد: شارك الغي في سما دبيكان تبغي تشوف الناس في جنه سلم وحي حاكم دبي محمد اللي مديم للعلا فنه ***وفي الكويت لا تغيب الأغنية الوطنية عن قلوب الناس قبل ألسنتهم ففي كل يوم تقريبا نسمع من يتغنى قائلاً:أنا كويتي أنا أنا قول وفعل وعزومي قوية ***وفي الكويت أيضاً تعرفنا منذ أيام قلائل على امرأة تعاني إعاقة جسدية وفي الوقت نفسه تكافح لتعول أبناءها من خيمة نصبتها على طريق بري لتبيع الشاي والقهوة، وبعض الحلويات وتكسب منها قوتها، ورغم كل الصعوبات قابلت مستضيفها وهي تلوح بالعلم الكويتي وتتغنى بالكويت وحكامها وتردد كلمات الشكر والامتنان للخالق ومن ثم المخلوق دون نغمة شاكية ومتذللة لتطلب المال وتبتز عواطف الناس ليهبوا بسيوف النقد اللاذع ويطالبون بإعفاء وزير الشؤون الاجتماعية من أجلها! وأتوقع أن هذا ما كان سيحدث لو أن هذه المرأة كانت في إحدى مدننا السعودية. وأحسب أن الأمر قد زاد عن حده فصار مادة إعلامية ضارة أدمنها كثير منا حتى صارت السلبيات تطغى على الايجابيات وصارت هذه السلبية مدخلاً من مداخل أعدائنا علينا وكلنا نعرف حجم الحسابات التي تدعي بأنها سعودية في كل مواقع التواصل الاجتماعي وهي في الحقيقة من صنع إيراني تبثه من أماكن متعددة وتستغل كل حدث داخلي لإشعال فتيل الشر الذي تريده، وهذ الأمر خطأ يشترك فيه قبل المواطن جهات رسمية كثيرة وعلى رأسها وزارة الدفاع ووزارة الداخلية ووزارة الحرس الوطني ووزارة التعليم. هذه الوزارات كان من الجميل جداً أن تفعل الجهاز الإعلامي لديها في هذه الفترة تحديداً، وبعدها أيضاً وباستمرار لينشط ويبتعد عن التقليدية الرسمية، ويتفاعل مع مؤسسات الدولة الاجتماعية، والجهات الأخرى التجارية القريبة من الناس لتحيي هذا الجانب وتجعل منه مشروعاً وطنياً مستمراً يرافق الصغار والكبار ولا يرتبط بمناسبة وطنية ما، فكلنا نعرف أثر الكلمات الوطنية والألحان الجميلة التي تصاحبها في التأثير على النفوس. لقد غابت عن أطفالنا أغان وطنية جميلة جدا ما كان لها أن تغيب لو وجدت اهتماماً من تلك الجهات واستفادت منها في إذكاء الروح الوطنية باستمرار. لماذا لا يعرف الأطفال:فوق هام السحب وان كنتِ ثرىفوق عالي الشهب يا أغلى ثرىمجدك لقدام وأمجادك ورى ***ولماذا لم يسمعوا ما لحد منه الله اللي عزنا ما لحد منه روحنا كتاب اللهوقلبنا السنهوان طمع فينا العدو ماعلي منه ***لماذا لا يتغنون بها في المدارس وفي الرحلات البسيطة التي يأخذون الصغار إليها؟ فكم من مرة ومرة خرجوا إلى مدن الألعاب الحديدية بصمت وعادوا بصمت!! ولماذا أقفلت الأدراج على أوبريتات الجنادرية المميزة؟ فلم يعرفها كل من ولدوا بعدها، واشتاق لها كل من عرفها:معشوقتي.. معشوقتي قمرا مع ليل وبحار دمام وظهران وخبرمتزينة صبح ومسا نسمة عبير في القطيففي بردها ولا في صيفومشتاق أبي شوف الحسا***هل ستعود هذه الكلمات العذبة في بساطتها والقوية في أثرها؟ هل تعود هي وغيرها عبر برنامج وطني تشارك فيه تلك الجهات لإحياء الحماس الوطني؟ أرجو ذلك وأتوقع أن برنامجاً مثل هذا سيصلح كثيراً من الأخطاء في سلوكيات بعضنا تجاه الوطن. فمتى نسمع من جديد:بلادي بلادي منار الهدىومهد البطولة عبر المدىعليها ومنها السلام ابتدا وفيها تألق فجر الندىحياتي لمجد بلادي فدا