د. فالح العجمي

النقلة غير المرئية في أفق الطاقة

ربما لم يلتفت كثير من المراقبين والمتابعين لتطورات شؤون الطاقة ومستجداتها ما أعلنته وسائل الإعلام بصورة محدودة عن توصل الألمان إلى طريقة جديدة لإنتاج طاقة هائلة ونظيفة، من خلال الانصهار النووي؛ حيث يتم رفع درجات حرارة النواة إلى مستوى مرتفع جداً، يؤدي إلى انصهارها مع نواة أخرى، وليس انشطارها كما هي الحال في الطاقة النووية الحالية ذات المخاطر الكبيرة. ويعد استخراج الطاقة بهذه الطريقة فتحاً جديداً في التقنيات الحديثة، التي ستؤدي بالعالم الصناعي إلى الانتقال بعيداً عن مصادر الطاقة الأحفورية، التي تدفع بمزيد من الانبعاثات الجديدة للغازات في أجواء الأرض المتشبعة، والتي لم تعد تُحتمل في وضع المناخ العالمي، خاصة بعد مؤتمر باريس الذي كانت الالتزامات العالمية فيه عالية جداً، بعد أن أحست القوى الصناعية بخطورة الوضع، وضرورة إصلاح حالة المناخ العالمي المتردية بأثر من الاحتباس الحراري. ماذا ومتى ستحدث هذه الخطوة من تطورات تقنيات الطاقة الجديدة فارقاً كبيراً في موازين مصادر الطاقة على المستوى العالمي؟ هذا ما حاولت الحصول عليه من لقاء جمعني بالصدفة مع أحد المتخصصين في الاستراتيجيات العالمية لاقتصاد المستقبل. وقد هالني مستوى ثقته، بأن هذه التقنية ستصبح هي مصدر الطاقة الرئيس لما يقرب من 60% من احتياجات العالم خلال عشر سنوات. فهل نحن لا نعلم بأي من هذه السيناريوهات الممكنة في مستقبل الطاقة، علماً بأن اقتصادنا بالكامل يعتمد على مصادر الطاقة التقليدية؟ لنفترض أن هذه التقنيات ستسيطر في فترة زمنية قريبة على سوق إنتاج الطاقة، وقد أكد لي هذا المتخصص أن الدول المتقدمة لن تمانع في نشر هذه التقنية في بلدان العالم الثالث، لأنها خلافاً للتقنية النووية الانشطارية، التي كان العالم المتقدم يخشى من استخداماتها العسكرية في إنتاج القنابل النووية، بالإضافة إلى مخاطر التسرب والإشعاعات النووية، التي تؤثر على البشر حتى في غير البلدان التي تحدث فيها تلك الكوارث، كما كانت الحال في حادثة تشيرنوبيل سنة 1986م. أما هذه التقنية، فليست ذات مخاطر على الإطلاق، وليس لها استخدامات عسكرية، كما هي الحال في الانشطار النووي. سبق وأن ذكرت في مقالات سابقة حرص بعض البلدان الخليجية، وخاصة الإمارات العربية المتحدة بتقنيات الطاقة البديلة، كما ظهر اهتمامهم في مدينة «مصدر»، التي استطاعت الإمارات من خلالها الحصول على أحقية استضافة المنظمة العالمية للطاقة البديلة. لكن تركيزي هنا سيكون على دراسة مستقبل النفط، أو فائدته العلمية لصناعات حقيقية مستقبلية، في حالة استغناء العالم عنه بوصفه مصدراً للطاقة الحرارية. هل ستكون الكراسي العلمية في بعض جامعاتنا مهتمة بمثل هذه المجالات، خاصة في جامعة الملك فهد، بدلاً من التوسع في مجالات مكررة تقوم بها أقسام علمية قائمة، وبصورة أفضل مما تعمله تلك الكراسي، التي توالدت بصورة مستغربة وغير طبيعية. وكثير من مدراء الجامعات ومسؤوليها يعلمون أن غالبية تلك الكراسي (العلمية!) أنشئت فقط لجلب المال إلى بعض الكليات، ويقوم عليها من استطاع إقناع أحد رجال الأعمال بالتبرع للجامعة بتمويل أي منها. وأود أن أذكّر بأن مادة صناعية جديدة واحدة هي الجرافين، التي ابتكرتها شركة بريطانية، جعلت عدداً من الشركات البريطانية تتفاءل بمستقبل واعد للشركات البريطانية عموماً خلال هذه الحقبة بفضل ابتكار هذه المادة، فهل تعي مراكزنا العلمية هذه المجالات التنافسية، أم سنبقى نحتفل بخصوصيتنا، ونتصارع صراع الديكة، إلى أن يتجاوزنا العالم، ونعود إلى الالتصاق بالأرض دون قدرة حتى على استخلاص المياه الصالحة للشرب في مستقبل الأيام؟