د. فالح العجمي

في البداية كان عريف الفصل

كان يا ما كان في أحد الأزمان فصل مزدان بشتى أنواع الزعران؛ وعندما طفح بالمدير الكيل، عيّن أكثرهم حمقاً وسفاهة عريفاً على ذوي البلاهة. سارت الأمور في أول الأمر على ما يشتهي المدير، فقد ارتاح من شكوى المتذمرين، ومن ضرورة صرف الكثير من الوقت لمعالجة مشكلات التعدي وافتقاد النظام والهدوء داخل الفصل. لكنه اكتشف في وقت لاحق، أن تلك الراحة وذلك الخلاص المؤقت لم يكن سوى فرصة من الزمن كانت متاحة لذلك العريف وزمرته لتكوين أنظمة داخلية من أجل تقنين ما كان يحصل من تجاوزات وانحرافات سلوكية. تطورت الأمور إلى أن بدأت عدوى ذلك الفصل تنتقل إلى الفصول الأخرى، وأخذت مظاهر الانحرافات والتحرش والسرقات تنتشر في أنحاء المدرسة. حاول المدير إنقاذ الوضع بأن عمل غربلة للأوضاع، وقامت اللجان بوضع استراتيجيات لتحسين أحوال المظلومين من ذوي الأخلاق الحميدة في بعض الفصول المنكوبة بوجود نماذج مماثلة لذلك العريف الذي تسامح مع وجوده المدير للتخلص من مشاغبات فصله قبل حين. وقد كان أحد الفصول المجاورة له قد رشح عريفاً آخر يسرق مذكرات أفراد فصله، الذين أصبحوا مطيعين له، ومبجلين لكل ما يقوله، وربما اقتدوا به في سرقة محتويات شنط الآخرين من مأكولات أو أدوات، لظنهم بأن هذا الأمر قد أصبح من الأنظمة السائدة في المدرسة. لم يكن لتقارير أي من هذه اللجان فائدة على المستوى العملي، إذ بقيت الاقتراحات تتمحور حول ضرورة تنظيم عمل كل عريف بما يخدم الأعراف المرعية، ولم يتطرق أي منها إلى تغيير أي منهم، أو المراجعة الجذرية والعلنية لكل قواعد العيش المشترك، والعلاقات بين الأطراف المختلفة، ومسؤوليات كل طرف وحدوده، وحقوق كل عنصر وواجباته. طالت النقاشات بعد ذلك بين المسؤولين والأهالي عن كيفية تفعيل أساليب الحماية المطلوبة للصغار، الذين يدخلون إلى تلك المدرسة، ويتعرضون إلى غسيل أدمغة، وإلى استلاب في طرق التعامل مع الحرية الشخصية وكرامة الإنسان من جهة، وكذلك مع المخاطر التي تعددت مصادرها؛ لكن المثيرين لها هم أنفسهم أولئك الذين أوكلت إليهم مهمات الحفاظ على وحدات المدرسة من التزعزع، والإبقاء على راحة المسؤولين من متابعة المشاغبات الفردية والاضطرابات المعتادة هنا وهناك. ولم يدر بخلد أحد من أولئك المفكرين الاستراتيجيين وأعضاء اللجان العتيدة، أن أعمالهم لا تمس إلا النتائج وسطح المشكلات فحسب. أما المخاطر التي نشأت عن إدماج هذه العناصر الخطيرة في النظام الإداري للمدرسة، فلا يظنون أنه يعنيهم في شيء – كما هي عادة البيروقراطية الإدارية – من أجل تحديد إجراءات العمل وفقاً لخطوات التكليف المبينة بوصفها تشخيصاً وعلاجاً لتلك المشكلات الطارئة. لا نامت أعين الجبناء! كيف تغفلون عن أسس المصيبة، وتسعون إلى معالجة ثمراتها الوقتية فحسب؟ اللجان ودراساتها المتعددة والغارقة في التفصيلات، والقائمة على توازنات فردية لدى من يقوم بها، لن تقدم حلولاً لتلك التراكمات التي تحتاج إلى شجاعة لا تملكها اللجان. هذا هو الشعار الذي طرحه أحد الفضوليين المتطفلين على اقتراحات الحلول الجذرية لهذه الكوارث المتصاعدة، وكان جريئاً في تشخيصه واقتراحاته، أن توضع أطر صارمة ومحددة لما يمكن فعله وقوله، وما لا يمكن وفقاً لأوضاع الناس وطموحاتهم، ومآلات الأمور ومنطقها، وأن يتم تطبيق تلك الأطر بدقة، وتحديد آثار المقولات تبعاً لمنهجية قانونية، وليس على ما اعتاده الناس من قبل من مقاربات عائمة، وغير مناسبة للزمان الحاضر. فهل استمع إلى مقولته أحد، أو نظر إلى نصيحته متأمل؟ نأمل ذلك دون أن نجزم بشيء!