الإخلاص مجانيٌّ ومجهولٌ وصامت
يحرص بعض المشاهير على التقاط الصور الفوتوغرافية والتلفزيونية مع أطفال البلدان الفقيرة والمرضى وذوي الاحتياجات الخاصة تعبيرًا عن التعاطف والمؤازرة. ولأنه لا يوجد شيءٌ في العالم ليس له مناوئٌ واحدٌ على الأقل، فقد يتساءل أحدهم: أليس بالإمكان القيام بمبادرات إنسانية بعيدا عن أضواء الكاميرات؟ وهل تصح مقولة «مصائب قومٍ عند قومٍ فوائدُ» على ذلك التعاطف المُتَلْفَز؟. إن التقاط الصورة شكلٌ من أشكال الدعاية هدفه كسب المزيد من الشعبية، وهي دعاية تعود بنفعها على المتعاطف أو المانح الذي يتصدر الصورة. وقد يذهب بعضهم بعيداً فيعتبر ذلك استثماراً في بؤس الآخرين. غير أن هنالك من يقف موقفاً وسطاً فيركز على نتائج ذلك التعاطف ومدى مساهمته في تخفيف نسبة البؤس في هذا العالم، ومن ثم يمكن غضّ النظر عن ذلك الاستعراض، ما دام يبهج المانحين ويشجعهم على العطاء. تبنَّت مادونا، نجمة البوب الأمريكية طفلين ملاويين، وتبرعت بسخاء لصالح أطفال ملاوي. لكن يبدو أنه قد فات على الحكومة أن تعامل الفنانة معاملة خاصة عند زيارتها لملاوي، فدخلت البلد كما يدخله أي زائر عادي، الأمر الذي ضايق مادونا، ولعلها قد انتقدت ذلك الاستقبال الفاتر، وهو ما دعا الحكومة الملاوية إلى أن تصدر بيانا جاء فيه: «الطِّيْبَة، بمفهومها العادي، مجانية ومجهولة، وإذا لم تكن مجهولة وصامتة لا يكون اسمها طِيْبَة»! وهي عبارة تلخص مضمون هذا المقال. الإخلاص أيضا مجاني ومجهول وصامت. وإذا لم يكن كذلك فهو استعراضي ودعائي. لا تترتب على الإخلاص في أداء الواجب نفقات باهظة، فهو مجاني. ولا يحتاج إلى أضواء كاميرات أو تغطية إعلامية، لأنه عمل صَموتٌ ينمو ويزدهر في الظل. وفي المقابل، فد يقوم رئيس مؤسسة ما بجولة تفقدية فتعلن العلاقات العامة حالة استنفار قصوى لتغطية الجولة إعلاميا من الألف إلى الياء، ولا اعتراض على ذلك إلا إذا صار هدف الجولة الأول والأخير هو التغطية الإعلامية وحدها، ثم لا يكون للجولة أي مردود آخر يرتقي بمستوى الخدمات. الملاحظة نفسها يمكن أن تقال عن المؤسسة الثقافية التي تحيي فعالية استعراضية لا تضيف شيئا فاعلا وذا قيمة إلى الحراك الثقافي. لكنها تملأ بصور ذلك النشاط صفحات الجرائد، ثم تدرجه في بيان الإنجازات. مثل هذه المؤسسة تقدم مثالا على الاحتفاء بالمظهر على حساب الجوهر، وتراهن على الكم بدلا من الكيف. يعبر أديب أورغواي إدواردو غاليانو في كتابه (أفواه الزمن/ ترجمة صالح علماني). عن هذا الاستعراض الدعائي بطريقة درامية مؤثرة، فيصور كيف هبط المسؤول من برجه العاجي ليفتتح مدرسة في حي للفقراء والعمال. وحضر مصوّرو التلفزيون لتغطية ذلك الحدث. ألقى المسؤول كلمة عبَّر بها عن اعتزازه بأطفال البلاد الذين يشكلون أثمن رأسمال. وفي ذروة الاحتفال أهدى دمية لكل تلميذ. نقل التلفزيون كل شيء، وعندما أنهت الكاميرات عملها، وانصرف المسؤول، بادرت إدارة المدرسة إلى استعادة الألعاب الموزعة. لم يكن سهلا انتزاع اللُّعَب من أيدي الأطفال الذين «يشكلون أثمن رأسمال»!يبدو أنه لا يوجد ما يعبر عن الاستعراض والجعجعة الدعائية أفضل من تلك الصورة التي التقطها غاليانو بكاميرا الأدب. وحين تجري الأمور على تلك الشاكلة يهبط مؤشر المصداقية حتى يصل إلى مستوى الرياء. ولا يوجد ما هو أقدر وأصدق من الأدب في رصد مثل تلك المفارقات العجيبة.