دعشنة العالم .. الرغبة والرهبة
لم تعد قضية الدولة (بالمطلق أو باسمها الطويل في العراق والشام، أو باختصاراتها المتعددة: داعش (بالعربية) أو IS أو ISIS أو ISIL باللغات العالمية) من المسائل الإقليمية في الشرق الأوسط أو المنطقة العربية أو الخاصة بالثقافة الإسلامية أو العربية. بل إنها تعولمت، كما لم تتعولم أي فئة أو طائفة أو جماعة دينية أو عرقية أو تنظيمية، بما في ذلك أقوى تنظيم عسكري غير حكومي عرفه العالم في هذه الألفية وهو تنظيم القاعدة؛ فما الذي حقق لها هذه الصفة أولاً، وما المؤشرات التي تعطيها هذه العولمة السريعة أو تنبئ بها؟ سنجيب عن هذين السؤالين بعد استعراض الأحداث الأخيرة المرتبطة بها في المنطقة وفي العالم. أولاً هي دولة هلامية، لا يعرف لها حدود، ولا أماكن مستقرة غير ما تستولي عليه من مناطق آهلة بالسكان في أي من أجزاء العراق أو سوريا. وتنتقل إداراتها ومراكز قواها العسكرية والإدارية من موقع إلى آخر حسب الظروف المحيطة، أو الخطط المستقبلية القريبة، التي تود تنفيذها. وثانياً هي لم تنشأ إلا في السنوات الثلاث السابقة، أي أنها أحدث الدول – حتى وإن لم تعترف بها إلى الآن الأمم المتحدة – نشأة، ودون إقليم جغرافي محدد لها (غير ما تحتله من أراضي العراق وسوريا المعترف بهما إلى الآن من الهيئة الدولية). وبعد نشأتها وارتقائها على المسرح العالمي بسرعة كبيرة، وبعد أن احتلت أجزاء كبيرة من العراق ومناطق متاخمة لها في سوريا، شكلت الولايات المتحدة الأمريكية (أقوى قوة على الأرض) تحالفاً عسكرياً لمحاربتها، وانضمت إلى ذلك التحالف بعض الأمم الغربية والشرقية (بما فيها بعض البلدان العربية والإسلامية). ومضى أكثر من سنة على بدء ذلك التحالف الحرب على هذا التنظيم الهلامي، باشتراك العراق وقوات البيشمركة الكردية أيضاً في قتالهم. وفي شهر نوفمبر الفائت قام هذا التنظيم بأخطر عملية انتحارية حدثت في أوربا في العصر الحديث منذ الحرب العالمية الثانية، وكان مكان حدوثها باريس – مدينة الثقافة العالمية – وفي توقيت متزامن لأحداثها المتفرقة. فانضمت فرنسا بتصميم كبير، ومبادرات فعلية عملياً إلى الحرب ضد ذلك التنظيم الظاهرة بدعم كبير من البرلمان الفرنسي. وكانت روسيا قبل ذلك قد اندفعت بصورة لا مثيل لها منذ انهيار الاتحاد السوفييتي إلى قلب منطقة تواجد هذا التنظيم بحجة حربه، وإن كانت لها خطة مختلفة في الأهداف والمساعي الإجرائية. ومنذ أيام أقر البرلمان البريطاني الموافقة على طلب الحكومة اشتراك الجيش البريطاني في حملة الحرب على داعش، وبدأت الطائرات فعلاً بعد ساعات من تلك الموافقة حملة جوية على مواقع التنظيم. إذاً الآن تشترك أربع دول عظمى (من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن) هي الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وبريطانيا وفرنسا، بالإضافة إلى دول أخرى من الشرق والغرب في محاربة كيان ليس له جيش نظامي، ولا معدات عسكرية متقدمة، وأعداد بشرية لا تتجاوز بضعة عشر ألف مقاتل على أكثر التقديرات؛ ومع ذلك يصرح كبار مسؤولي تلك الدول الكبرى بأن الحرب ضد داعش ستتطلب سنوات عديدة. بل إن هذا التنظيم هو من يحدد حالياً ساحة المعركة؛ سواء كانت الحالة الخاصة بأحداث باريس، أو بالعمليات الجديدة في كاليفورنيا، مما يعيد الإرهاب الصادر عن منظمات إلى الأرض الأمريكية مرة أخرى بعد هدوء استمر لأكثر من عقد بعد الحرب التي شنها الجمهوريون على تنظيم القاعدة آنذاك. فهل يعني أن الرئيس القادم، إن كان جمهورياً، سيكرر حروب بوش مرة أخرى؟.