حسن السبع

استوديو بَثّ .. خمسة نجوم

لوسائل الإعلام دورٌ بارزٌ في التأثير، سلبا أو إيجابا، على اتجاهات الرأي العام، ومنظومة القيم، والمواقف وطرق التفكير، والسلوك الاستهلاكي، وغير ذلك. وبالرغم من تعدد وسائل الإعلام، يظل البثُّ التلفزيوني هو الأقوى حضورا وتأثيرا. فهو يقتحم كل بيت، ويجمع المرئيَ والمسموعَ والمقروء في حيز واحد. وينقل الأحداث مباشرة، ويلخص بعض ما تنشره الصحافة من أخبار ومقالات. وقد ساهمت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الحديثة في خدمة البث التلفزيوني. كذلك تطورت تجهيزات استوديو البث عما كانت عليه قبل ثلاثة عقود، وازدادت نجومه لتصبح خمسة أو أكثر. فهل استطاع البث الفضائي العربي أن يكون عند مستوى التوقعات؟ أم كان ذلك مجرَّدَ مظهرٍ خارجي لم ينعكس على الأداء؟ إن الامكانات المادية العالية قد تخدم الشكل، أما المضمون فيصنعه الإنسان. ومع أنه قد أصبح بإمكان المشاهد الحصول على الخبر من مصادر مختلفة، إلا أن بعض القنوات الفضائية مازالت تعيش أجواء الخمسينيات من القرن الماضي، فتفترض أنَّ المشاهد يعيش في جزيرة معزولة، وتتعامل مع الخبر بانتقائية تناسب خطها الإعلامي الخاص. وإذا ما استعرضنا مستوى بعض البرامج الحوارية، والسياسية منها بشكل خاص، فسنجد أنها لا تساهم في الارتقاء بالوعي العام بقدر ما ترفع من نسبة التلوث الضوضائي الذي يعاني منه العالم العربي. فالمتَلاسِنُون يتكلمون في وقت واحد. ولعل ذلك الحوار الشبيه بـ (حديث الطُّرْش) هو ما يدعو المشاهد النوعي إلى النأي بنفسه عن المشاركة والمشاهدة معا. كلما شاهدتُ تلك الزوابع غير المنتجة اقتنعت بوجاهة عبارة هنري ميلر : "لم أعد أبذل جهدي لأقنع الناس بوجهة نظري عن الأشياء ولا لمعالجتها". وهو قرار صائب يزداد وجاهة حين لا يصغي المحاور إلا إلى صوته. مع ذلك، فقد صنعت تلك البرامج نجوما فضائية، تشاهدها على كل قناة. وبات النجم الفضائي (نمرة مطلوبة) تملأ به القنوات فراغا ما، في ظرف ما، مساهمة منها في إنعاش سوق الغفلة الكبير.وإضافة إلى السؤال المتعلق بجدوى تلك البرامج الحوارية، وعما إذا كان هنالك من ينظر إليها بجدية، يمكن طرح سؤال آخر يتعلق بما تدفعه تلك الفضائيات من مقابل مالي للضيوف نظير المشاركة في تلك الخناقات المُتَلفَزة. يقال: إن بعض الضيوف يشترط للمشاركة مقابلا ماديا. أما إذا كان الضيف قادما من مكان بعيد فمن المفترض أن تدفع القناة مصاريف تنقلاته وسكنه. وبالنظر إلى مستوى تلك البرامج، يمكننا أن نقول: لقد أصبح كل شيء برسم البيع، بما في ذلك اللغو والهذيان. الحياد والمصداقية والموضوعية، والرأي والرأي الآخر، والواقع كما هو، مفردات تتلألأ على الشاشة فتخطف الأبصار، لكن ليس كلُّ ما يلمع ذهباً. فبعض القنوات العربية لا تستضيف سوى صاحب الرأي "الصائب"، وعليك أن تضع كلمة "صائب" بين عدد كبير من الأقواس. كما يمكنك أن تستنتج نسبة الصواب على ضوء ما يقوله جورج أرويل: ففي كتابه المعنون (لماذا أكتب؟) يحكي أرويل أنه كان يبيع الكتب المستعملة، وإلى جانبها كان يبيع الأبراج الفلكية، ومن الأشخاص الذين اشتروها من عاد إلى المحل ليؤكد أن ما قالته الأبراج التي اشتراها صحيح. ويعلق أرويل متهكما: "لا شك أن أي برج سيبدو صحيحا إذا أخبرك أنك جذاب جدا، وأن أسوأ عيوبك هو الكرم"! وإذا ما أسقطتَ تلك الملاحظة على مسألة الصواب والخطأ فإن صاحب الرأي "الصائب" هو النجم الفضائي الذي يتناغم رأيه مع خط القناة الإعلامي.