القوة الناعمة وأدواتها
تعود الناس لدينا أن يربطوا القوة بما له فرقعة وأصوات مدوية، مثل السيارات ذات المحركات القوية والشاحنات والطوربيدات والطائرات والصواريخ. حتى إنه جاءت فترة كان مقياس التأخر في الإنتاج أو إعداد شيء ما هو نية عمل أي من تلك الأشياء، وخاصة الأخير منها، فإذا أبطأ أحدهم دون أن يأتي بشيء لمن ينتظره، قال: والله لو إنك بتصنع صاروخ!. وأظن ثقافة الفئات المهيمنة على مقاليد الأمور في التاريخ العربي لها دور في ذلك، حيث كانت تتشبت بكل ما يكفل لها البقاء مسيطرة على الأوضاع بواسطة أدوات القوة تلك، بدءاً بالفرس والسلاح الشخصي والفرسان الأقوياء في القبيلة أو المجتمع العربي البسيط، ثم الجيوش بعد أن عرف العرب تكوين الدول، ومروراً بسلطة الدولة العثمانية، التي كانت تحرص على اقتناء كل ما يتعلق بتلك القوة المادية. فسعت إلى اقتناء المدافع والسفن الحربية، لكنها وقفت ضد وسائل القوة الناعمة كالمطابع والعلوم الحديثة، التي قلبت الأمور لصالح خصومها في أوربا. فما أمارات تلك القوة الناعمة في عصرنا الحاضر، ومن الذي يتبناها حالياً، وكيف هي حظوظه في التقدم والهيمنة؟ إنها القوة التي يعتمد الاتجاه فيها على الاقتصاد بالدرجة الأولى، وتكون ضرورية لأصحاب القوة التقليدية (الصناعات الثقيلة والاهتمامات العسكرية كما عرفت ذلك القوى التي تسيطر على أوضاع العالم). وقد اهتم بهذه القوة الناعمة في العصر الحديث بدءاً كل من اليابان وألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث كانتا ممنوعتين من التصنيع العسكري، وحتى من إنشاء جيوش قوية، نتيجة معاهدات هزيمتهما في تلك الحرب. فأصبحت الصناعات اليابانية الدقيقة في الشرائح الالكترونية مطلباً ضرورياً تعتمد عليه الصناعات العسكرية الأمريكية، وتقدم البلدان (اليابان وألمانيا) إلى المراتب الأربع الأولى في العالم اقتصادياً وصناعياً، في مراحل تسبق بعض الدول ذات القدرة العسكرية الكبيرة كالاتحاد السوفييتي (أو روسيا لاحقاً).وقد عبّدت هذا الطريق بصورة عملية بعض الدول الآسيوية، وعلى رأسها الصين وكوريا الجنوبية، اللتان خلقتا أجواء اضطراب في الاقتصاد العالمي لمصلحتهما، بعد أن اعتمدتا على مصادر القوة الناعمة، لخلق المعجزة الاقتصادية بالقفز إلى المرتبة الثانية في العالم بالنسبة للصين، بعد أن كانت متخلفة جداً وغير قادرة على إطعام سكانها الذين يبلغون خمس العالم تقريباً. كما حققت كوريا الجنوبية قفزة هائلة من بلد فقير من بلدان العالم الثالث، إلى بلد صناعي اقتحم الدائرة الأولى دون أن يمر بمعمعة المصادمات العسكرية أو تصنيع العتاد العسكري المرتبط بها، التي كانت النظريات التقليدية القديمة تضعها شرطاً للوصول إلى مقدمة الركب بين أمم الأرض. فما وضع هذه القوة في منطقتنا العربية؟ وهل تعي النخب الحاكمة في منطقتنا أهميتها؟ في الواقع أن الوعي بها نادر جداً، وفقاً لما يحشو رؤوس الناس منذ مراحل الطفولة، أن صناعة الصاروخ هي التقدم الحقيقي. لكن إمارة دبي قد وعت مبكراً لهذا المتغير في شرق آسيا، فسارت على نفس الطريق بصنع ما لم يفكر فيه أصحاب القوة والموارد، وعندما لاحظت ذلك إمارة أبو ظبي، وهي التي تملك المال أكثر من دبي نتيجة وجود النفط فيها، سارت بطريق موازٍ في منافستها، ولكن ليس عن طريق السياحة والتجارة كما عملت دبي، بل عن طريق الاستثمار الثقافي ومصادر الطاقة البديلة. وأرى قطر تسير حالياً بطريق موازية، لكنها تستثمر في الفعاليات الرياضية والنشاطات الخاصة بالفن ومعارضه والمؤتمرات العالمية، التي لا تحتاج إلا إلى توفير الظروف المناسبة والخبرات من الكوادر البشرية والسمعة العالمية في هذا الشأن.