مؤسساتنا التعليمية.. الجودة هي الخيار
إذا كانت الجودة الشاملة هي أداء العمل بالمستوى المستهدف من الإتقان، وهي تطبيق عملي وليس مجرد فلسفة نظرية فحسب؛ فإن متطلبات هذا الأداء في المؤسسة التربوية لها خصوصية تميزها عن غيرها لأكثر من اعتبار أولها أنها تتعلق بمنتج إنساني بشري له طبيعته المتغيرة ومتطلباته المختلفة، كما أن أثر مخرجاته يمتد ليشمل سائر الأبعاد التنموية والتطويرية لمؤسسات المجتمع باعتباره المنتج للموارد البشرية التي تصبح فيما بعد من أهم مدخلات النظم الصناعية والتعليمية والخدماتية الأخرى دون استثناء. لكن الخصوصية التي نتحدث عنها هي سمات إضافية لا تعفي المؤسسات التعليمية من الأخذ بالمتطلبات التي يقتضيها الأخذ بمبدأ الجودة في سائر المؤسسات بل يزيد عليها، ويتضح ذلك بدايةً بمفهوم الجودة الشاملة وطبيعتها في المجال التربوي، فهي مجموعة من المعايير التربوية التي تضمن الارتقاء بمستوى جودة المنتج التعليمي (مخرجات عملية التعلم) بأعلى مستوى من الإتقان وبما يتاح من الجهد والكلفة وبما يحقق الأهداف التربوية ويلبي حاجة سوق العمل من الموارد البشرية والكوادر المؤهلة، وهي عملية إدارية تراعي تحقيق أهداف المتعلمين وسوق العمل في آن واحد. ويتمثل تحقيق الجودة في التعليم بعدد من المؤشرات من بينها إلى جانب تبني فلسفة الجودة الشاملة التناغم والانسجام بين الأهداف وإنجاز الأعمال بأشكال وأساليب مبتكرة تؤدي إلى تحسين الإنتاجية وخفض التكاليف، كما أنها تجسد عملية التعلم مدى الحياة باعتبار الإنسان كائناً متعلماً (من المهد إلى اللحد)، كما أنها تعني القيادة والتخلص من مشاعر التردد والخوف وإزالة التهديدات والمعوقات، ومواجهتها بالحلول الناجعة والتحسين المستمر للعمليات بناءً على التغذية الراجعة باعتبار التعلم عملية إنتاجية (مدخلات– عمليات– مخرجات)؛ وذلك كله في ظل الالتزام والمسؤولية والعمل ضمن الفريق. وإذا أردنا أن نحكم على مستوى نجاح إدارة الجودة الشاملة في المؤسسة التعليمية، فإن علينا أن نبحث دائماً عن مدى توزيع المسؤوليات والأعمال الموجهة لتحقيق الأهداف الإستراتيجية المحددة، وكذلك ثقافة الجودة بين أفراد المؤسسة ومدى إيمانهم بأن إرضاء المستفيد هو من الأسس الهامة في الجودة وما يقتضيه ذلك من جودة العمليات والإجراءات وبساطتها وسهولتها وسلامتها، كما ينبغي لنا أن نلاحظ الإدارة الميدانية اليومية للمؤسسة ومدى اهتمامها بقياس المنجز ومستوى الجودة بتوظيف أدوات قياس مناسبة ودقيقة تعتمد على قاعدة بيانات متكاملة، وتضمن للجهة القائمة على قيادة عمليات الجودة الحصول على التغذية الراجعة الضرورية لتحديد الخطوة أو الخطوات التالية. إن كل ما ذكرناه من نشر ثقافة الجودة وبيئتها وفهم تطبيقات الجودة في المؤسسات التعليمية وخصوصيتها ومعاييرها وسماتها، قد حقق حتى الآن وفي جميع الجهات التي أخذت بها نتائج ملموسة لم تؤد إلى تحسين المخرجات فقط، بل ساهمت في التحسين المستمر لمستوى تطبيق هذه المؤسسات لمبادئ الجودة، وهو بلا شك سيؤدي إلى نفس النتائج لكل من يستفيد من التجارب السابقة إن لم يكن أفضل منها؛ وربما كان الأخذ بمبدأ الجودة فيما مضى خياراً متاحاً لدى المؤسسات تأخذه أو تتركه غير أنه في الوقت الحاضر لم يعد خياراً أبداً بل هو أمر حتمي لبقاء المؤسسة وتطورها وقدرتها على مجاراة سواها من المؤسسات من جهة، والاستجابة لما ينتظره المجتمع كافة من المؤسسة التعليمية بوجه خاص، وما يخصص لهذه المؤسسة من موارد تتناسب مع ما يؤمل منها من طموحات وما ينتظر منها من مخرجات.. الأمر باختصار الجودة أو الفشل –لا سمح الله-. ولا شك أن خيارنا جميعاً هو الجودة بالتأكيد؛ لأن النجاح هو خيارنا الوحيد -بإذن الله- «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون».