«مانوه» صديقي الإيراني في «دبلن»
منتصف الثمانينات الميلادية، وفي السنوات الأولى لبداية الثورة الإيرانية، رحلت للدراسة إلى «دبلن»، شاب صغير آخر يسكن معي في المنزل الذي يتكون من أربع غرف، إنه «مانوه» من الجنسية الإيرانية، يتحدث الفارسية وقليلا من الإنجليزية، مثلي أتحدث العربية وقليلا من الإنجليزية، لكن الفرق أنا أدرس وهو يعمل في ورشة للسيارات يملكها أخوه الأكبر.ويوما بعد يوم زادت علاقتي معه، رحلت مع «مانوه» في أعماق إيران ما قبل الثورة، وما بعدها، بالطبع لن يشخص الواقع الداخلي في الأوطان قدر الشباب، ومانوه شاب، خرج بعد الثورة من البلاد التي ضاقت به، وضاق بها بعد وصول حرس المجوس الأصليين.لا يحتاج أن أسترسل في تفاصيل «مانوه»، فهي تبدو لي واضحة خاصة حين عودته يوميا من ورشة السيارات وملابسه ويداه ملطختان بالزيوت، متجها إلى غرفته الصغيرة، لقد جار الزمن عليه في سن مبكرة، بعد أن استولت الثورة على أحلامه، حاله حال الكثير من الشباب الإيراني.مناسبة «مانوه»، غلاف مجلة التايمز الأسبوع ما قبل الماضي «ايران 2025» رؤية لإيران وكيف ستغير العالم في العقد القادم، وصورة غلاف المجلة لشابة إيرانية تقف على جسر أمام بحر ممسكة بهاتف نقال من الطراز الحديث.بالنسبة لنا في المنطقة توقعنا الخبث من الإعلام الغربي، الذي «فلقنا» بديمقراطية الإعلام لديهم، حتى أفقنا يوما ما لنكتشف أنه يدار من المؤسسات الرسمية بشكل أو بآخر، وأما بالنسبة لعنوان التايمز بأن إيران سوف تغير العالم في العقد القادم، فقد شهدنا ثلاثة عقود من رعايتها للفتن وسفك الدماء والتدخل السافر في العواصم العربية، ولا نعتقد بأن إيران القادمة- وإن كنا نتمناها- سوف تتخلى عن نهجها في هيمنة الأيديولوجيا، وإدخال دول المنطقة في صراع دائم.لقد فات على المجلة العريقة أن الهاتف النقال الذي تحمله الشابة الجميلة لا تستطيع استخدام أهم مواقع التواصل فيه، فإيران منذ 2009 تحجب الفيس بوك وتوتير في عز رواجهما، وحجب آخر مؤقت لخدمة إنستجرام، من ضمن دول محدودة هي الأشهر في العالم، مثل كوريا الشمالية وإريتريا وسوريا. من حق التايمز ومن حق إيران أن يحلما بإمبراطورية تغير العالم، لكن من أهم شروط الإمبراطوريات في العهد العالمي الحديث أن لا تكون محاطة بالدماء، العقل البشري والعقل الدولي لا يقبلان هذا المنطق.