آفاق تعاون سعودي لاتيني
مع انعقاد القمة العربية اللاتينية في الرياض هذه الأيام، هناك فرصة مناسبة للحديث عن إمكانية تعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول العربية ودول أمريكا اللاتينية، وبالأخص بين المملكة وهذه الدول، فتوطيد العلاقات السعودية اللاتينية سيساهم في تحقيق تعاون اقتصادي كبير بين المملكة والدول اللاتينية.نظرة تاريخية للميزان التجاري السعودي، ستبين لنا مدى الارتباط بالاقتصاد الامريكي، والذي يعد الشريك الاستراتيجي الأول في الميزان التجاري السعودي، مما يضعف فكرة تنويع الشركاء الاستراتيجيين، ويجعل الميزان التجاري محاصراً بشريك واحد، فالاعتماد على التبادل التجاري مع الولايات المتحدة يتم على حساب التبادل التجاري مع دول أخرى، كدول السوق الجنوبية المشتركة "ميركوسور" في أمريكا اللاتينية، والتي تتألف من عدة دول أمريكية جنوبية، بقوام سكاني ضخم يصل إلى حوالي 590 مليون نسمة. منذ بدء اتفاقيات التعاون الاقتصادي بين المملكة ودول الميركوسور عام 2005، واتفاقيات التجارة الحرة بين دول مجلس التعاون ودول الميركوسور عام 2009، والتنامي في الميزان التجاري بين المملكة وتلك الدول دون المتوقع، مما يجعلنا نتساءل عن سبب عدم استفادتنا من مصدر جاذب للتبادل التجاري كدول الميركوسور.ما نرمي إليه هنا، أننا أمام فرصة للتكامل الاقتصادي عن طريق التبادل التجاري بين سوق واعدة تملك قوى عاملة ضخمة كدول الميركوسور، وسوق تملك القوة الشرائية كالسوق السعودية.ستكون التبعات ايجابية في حال تنويع الشركاء في الميزان التجاري السعودي، والتخفيف من هيمنة الشريك الأمريكي على الميزان التجاري، مقابل زيادة التعاون مع عدد من الدول، من أهمها الدول اللاتينية، وهذه الدول قادرة على أن تشكل البديل عن الاعتماد بشكل شبه كامل على التبادل التجاري مع الولايات المتحدة.تشير الأرقام إلى قابلية اقتصاد المملكة لتخفيض حجم التبادل التجاري مع أمريكا، ويتضح ذلك جلياً من خلال نتائج الميزان التجاري للسنوات الثلاث الماضية، والذي يوضح انخفاض حجم التبادل التجاري بين البلدين من حوالي 287 مليار ريال في سنة 2012 إلى حوالي 282 مليار ريال في 2013، ثم إلى 247 مليار ريال في عام 2014، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على قدرة اقتصاد المملكة على التخفف تدريجياً من الاعتماد على شريك واحد له نصيب الأسد من حجم التبادل التجاري ككل.بالمقابل، فإن حجم التبادل التجاري بين المملكة ودولة من كبار دول "الميركوسور" كالبرازيل لا يتجاوز الخمسة مليارات ريال، مما يعني أن هناك استخداماً لا يصل إلى الحجم المطلوب للميزان التجاري السعودي البرازيلي.وكمثال آخر، فإن حجم التبادل التجاري بين المملكة وإحدى دول الميركوسور وهي الأرجنتين لا يصل إلى أربعة مليارات ريال،ويصل حجم التبادل التجاري بين المملكة ودولة واعدة كفنزويلا إلى رقم لا يكاد يذكر (31 مليون ريال فقط!).الذي يقودنا هنا إلى المطالبة بتنويع الشركاء في التبادل التجاري هو التقليل من الارتباط بالاقتصاد الأمريكي، مما يعني حجماً أقل من المخاطر يمكن الحصول عليه من خلال عدم الاعتماد على شريك استراتيجي واحد نتأثر بتأثره سواء بالسلب أو الإيجاب، فبحدوث أزمة مالية أمريكية كأزمة 2008، سيكون الأثر أقل حدة على الاقتصاد السعودي، عند تخفيف الارتباط الاستراتيجي مع الشريك الأمريكي، عن طريق تنويع سلة الشركاء التجاريين في الميزان التجاري السعودي.على سبيل المثال، يمكن للمملكة التقليل من حجم التبادل التجاري بالسلع الزراعية مع الولايات المتحدة، والتركيز على تكوين شراكة استراتيجية مع إحدى دول الميركوسور، تماماً كالذي حصل في عام 2008، عندما قررت المملكة التقليل من حجم إنتاج القمح على سبيل الترشيد في استهلاك المياه، واستعاضت عن هذا النقص في الانتاج بالتعاون مع دولة الأرجنتين لتوفير أكثر من 200 ألف هكتار لزراعة القمح في دولة تمتاز بوفرة الأراضي الزراعية، ووفرة مخزون المياه، بخلاف المملكة.البرازيل تمتاز مثلاً بعدد مهول من القوى العاملة غير المكلفة، ما يساعد على إيجاد مناخ استثماري أقل كلفة من الولايات المتحدة الأمريكية، وبجودة تعتمد أمريكا بنفسها عليها، وذلك من خلال الاستثمار في انشاء مصانع أمريكية على الأراضي البرازيلية (مثل مصانع فورد وآي بي إم).إن وجود سوق واعدة كسوق الميركوسور يعد فرصة للتقليل من الاعتماد على التبادل التجاري السعودي مع الولايات المتحدة، بالاعتماد على شركاء أكثر ديناميكية وبشتى أنواع الاستثمارات، ما يجعلنا لا نضع "جميع البيض في سلة واحدة"، والعيش على أمل عدم حدوث أي مكروه أو أزمة مالية لهذا الشريك الأمريكي، لأنه إذا عطست أمريكا سيشعر العالم بالزكام، وأولهم الاقتصاد السعودي، الذي يُعَدُّ الشريك الأمريكي شريكه الأول، طوال ربع قرنٍ مضى على الأقل.