عندما يُتمنى النسيان
في عالم الفكر وتاريخ الحضارات البشرية يُعد النسيان ظاهرة سلبية لدى الناس؛ يعاني منها من يتعرض لها في أي موقف أو مرحلة من مراحل حياته. وسواء تعلق الأمر بنسيان معلومة أو موعد أو دعوة، أو حتى اسم شخص تقابله بعد طول عهد به، فإنه شأن مربك ومحرج لصاحبه. وقديما قالت العرب: «آفة العلم النسيان»، حيث كان العلم عندهم يعتمد على الحفظ، وكلما كانت ذاكرة المرء متقدة، كان يُنظر إليه على أنه حافظ للعلم، يستدعيه متى شاء. وربما كان ذلك لأن العلم قديماً لم يكن معتمداً على قدرات التحليل والاستنباط والرؤى الذاتية، بقدر ما كان محصوراً في مدى قدرة المرء على استعادة العلوم التي حفظها كما هي. لكن الوضع حالياً تغير كثيراً؛ فأولاً لم يعد الحفظ هو ديدن العلوم، ولا أصحاب العلوم الحقيقية. وثانياً أصبحت المصادر بشتى أنواعها تحفظ المعلومات بصورة أدق من الذهن البشري، بل ويلزم المرء المتعلم والعالم أن يأتي بها موثقة من مصادرها مباشرة. وثالثاً لم تعد الذاكرة البشرية قادرة على استحضار كم البيانات الدقيقة التي تتطلبها العلوم الحديثة من مصطلحات متعددة وأرقام وأسماء وبيانات إحصائية وأشكال هندسية، فيلزم المشتغلين دوماً وجود مصادر كل تلك البيانات بجانبهم عند العمل العلمي في المعامل والمحاضرات والأبحاث. غير أن أمر النسيان في الواقع لم يمس تلك المعلومات المتعلقة بالعلوم ذات العدد الكبير، والدقة غير المتكررة باستمرار، بل شمل لدى كثير من المجتمعات حتى الأمور الحياتية البسيطة. فهل تأثرت جينات الإنسان الحديث بهذه التطورات، مما جعل أكثر الناس حالياً لا يستطيعون تخزين كثير من المعلومات في أذهانهم، حتى تلك المرتبطة بأمور مباشرة تهمهم، والمترددة كثيراً في حياتهم؟ أم إن أمر النسيان أصبح مطلباً نفسياً يلجأ إليه اللاوعي لدى الإنسان الحديث للتخلص من ضغوطات الحياة الكثيرة، ومن كثرة الأخبار السلبية، ومعاصرة الحروب والأزمات المتكررة، التي تنقلها وسائل الإعلام المصاحبة للإنسان حالياً في مجلسه وتنقلاته ومنامه؟ عندما يعاتب أحدهم صديقاً أو قريباً على عدم حضور مناسبة، أو عدم زيارته في عزاء أو حالة مرضية، يعتذر الآخر بالضغوط أو بالسفر، حتى وإن كانت تلك المواعيد قد طواها النسيان، لأن نسيان الأقارب والأصدقاء ومناسباتهم من الموبقات الاجتماعية، التي لا يتسامح معها نظام المجتمع. لكن المرء مع نفسه بعد ذلك العتاب يحاول تفادي هذه القضية بتدوين بعض مناسباته في محفظة الكترونية منبهة، أو جوال مصاحب له يذكّره بها قبل أوانها بوقت كافٍ. والأدهى من ذلك كما قال لي بعضهم عندما تسلم على شخص تعرف وجهه جيداً، لكن تنسى اسمه؛ تبتسم له وتسأله عن أحواله لكن دون استحضار اسمه من الذاكرة. لكنها في ظني أعراض لوضع وجودي أصبح الإنسان المعاصر يعيش فيه، وينطلق من أسسه التي وضعها هذا العصر للتعامل مع مكوناته الزمانية والبيئية. ففي كثير من الحالات أصبح الإنسان يتمنى أن ينسى أكثر محتويات الذاكرة، وهي أنواع كما يعرف ذلك المختصون، لكن المعني بتوالي هموم الذاكرة لا يعنيه إلا التخلص من ثقل تذكّر بعض الأحداث، أو استحضار نكران بعض الناس مثلاً للجميل، أو تغير الناس وخاصة الأقربين منهم. بالرغم من أن الناحية البيولوجية لن تخدم الإنسان في هذا المطلب؛ إذ ان ما يتعرض للمسح من الذاكرة هو ذلك الجزء المخزن في الذاكرة الآنية (cash memory) وهو الذي لا يتعلق بنسيان تلك الأمور البعيدة، بل يرتبط بحياة الإنسان اليومية، ومنها ربما أرقامه السرية ومفاتيح البيانات.