الخلاص والأمل.. أيهما الأجمل؟
طيلة اشتغال الإنسان بالفلسفة، وبالتنظير لسلوك البشر ومبادئهم، والاهتمام بأولويات الأفراد والمجتمعات، لم تصل قضية إلى سطح اهتمامات ذلك الاشتغال الفلسفي مثل قضية تعلق البشر بخيوط الأمل ضعيفة كانت أم قوية. وعلى ذلك الوتر الحساس في طبيعة الإنسان عزفت كل النظريات الاجتماعية والفلسفية والدينية والتربوية. بدأ بها في التاريخ المدون على أقل تقدير خبراء الطبيعة الصينيون وحكماء الهند وفلاسفة اليونان، وكان لكل منهم اتجاهه ومذهبه؛ منها ما كان يركز على نقاء الروح وقوة البصيرة من أجل الوصول بطاقات الجسد إلى أعلى ما يمكن الحصول عليه في حياة الإنسان، وبالتالي التخلص من عوامل الإحباط، التي تجعل المرء يتوقف في منتصف الطريق، ومنها ما كان يركز على الغذاء والتمارين الممحصة للقوى الداخلية من أجل تحصيل أفضل النتائج، كما اهتم بعضها بتقديم المبادئ النظرية الكفيلة برفع مستوى الكائن البشري في تفكيره وسيطرته على مجريات الكون. وكانت وسائلهم في ذلك الأعشاب ومكونات الأرض التي ينتمي إليها الإنسان لدى الصينيين، أو وسائل الرياضة الروحية كاليوغا والعزلة وممارسة النظام الغذائي الصارم لدى الهنود، أو التعلق بنصائح المجربين في تعلم المبادئ الفردية والمجتمعية الموصلة إلى مرحلة التوازن بين نظام الحياة ومجموعة القوانين التي تحكمها مثلما هو الأمر عند اليونانيين. فماذا أضاف العرب في هذا الشأن؟ في الواقع ان العرب قديماً كانوا قد أضافوا قيماً متعددة إلى هذا المضمار من شؤون التراكمات الحضارية البشرية؛ وربما كان أهمها الخصال المتعلقة بالتضحية بكثير من الممتلكات الثمينة في الحياة من أجل مستوى أفضل منها، بل وحتى بالحياة نفسها من أجل المبدأ، وكذلك اهتمامهم بالوحدة الاجتماعية المباشرة: الأسرة والجار والعشيرة والقرية (أو الحي المنتمي إلى القبيلة). أما أكثر تلك الخصال تميزاً من بين صفات كثير من الأعراق والثقافات المتباينة، فقد كانت سمة الصراحة المفرطة، التي أكسبت العربي في عصر من العصور سمة الإنسان النقي المكشوف للآخرين في مبادئه وسلوكه، مما حبّب كثيراً من الأمم في التعامل معه. لكن تلك الخصال في جوهرها قد تغيرت كثيراً، بل وتحول بعضها إلى الضد تماماً؛ فقد صارت التضحية بالنفس لا تتم إلا من أجل فكرة متصورة تحتوي مكاسب ذاتية، مثلما نلمسه الآن في كثير من الأصقاع، وأصبحت الأثرة التي كان يتميز بها العربي الأصيل إيثاراً للذات، وتقديم المصلحة الآنية الضيقة على ما يمكن أن يفوّت مصالح اجتماعية كبيرة، أو يؤدي إلى حرمان مستحق مما هو أجدر به. أما الرعاية المعهودة للوحدة الاجتماعية الموالية، فقد تراجعت إلى حد كبير، وربما لم يبق إلا ما كان موجوداً في بعض الأرياف النائية، التي تضطرهم الحياة فيها إلى ذلك التكافل. بل إن تلك السمة التي كادت تكون من الخصائص العربية المميزة في شفافية دائمة ومباشرة، قد ذابت في خليط من المكر والتقلب، الذي كان يُعرف عن مجتمعات أخرى غير العرب. سألني صاحبي: ما السبب؟ فأجبته بسؤال هو: ما الذي تفضله من الخيارين التاليين؟ أن تحلم بكابوس مزعج جداً؛ تتصبب منه عرقاً، وينهك منه جهازك التنفسي ودورتك الدموية، ثم تصحو من النوم، فتفرح أنه ليس واقعاً، وتعود إلى النوم بسكينة بعد أن تغير وضعك وتستعد لمرحلة أفضل من الراحة بعد الخلاص من الكابوس؛ أو أن تحلم برؤيا جميلة تتملك عليك زمام روحك، ثم تصحو من نومك، فتحزن أنها لم تكن واقعاً، ثم تحاول النوم للعودة إليها، أو لا يأتيك النوم لانقطاع ذلك الأمل الجميل.