عبد اللطيف الملحم

نحن وادعاءات الصحافة البريطانية

قبل أكثر من نصف قرن قررت المملكة العربية السعودية تحديث وتطوير قواتها الجوية الملكية وذلك من خلال صفقة لشراء طائرات بريطانية اسمها (لايتننغ). وقبل عقد الصفقة بفترة بسيطة قامت بعض مراكز التحليل السياسي والعسكري بكتابة تقارير عن هشاشة الوضع السياسي في المملكة (حسب التقرير) وذلك لتنبيه الحكومة البريطانية ونصحها بعدم التوسع في أي علاقة إستراتيجية طويلة المدى مع المملكة لأن النظام غير مستقر وأنه يجب التركيز على التقارب مع شاه إيران الذي يمثل معنى الاستقرار السياسي. وبالطبع فالقارئ يعلم ما حصل في إيران بعد ذلك في الوقت الذي أصبحت فيه المملكة أحد أهم القوى المؤثرة في العالم اقتصاديا وسياسيا. وأصبح قادتها من الأكثر تأثيرا واحتراما في العالم. وهنا لا يتسع المجال لذكر الكثير من الأخطاء التحليلية البريطانية القاتلة والتي أهمها الحسرة البريطانية التي لا تزال آثارها قائمة إلى الآن منذ عام 1932م بعد أن أخطأ (لانسيلوت أوليفانت) وهو أحد كبار السياسيين البريطانيين في موضوع الاستثمار في التنقيب عن النفط في المملكة بحجة أن ما سيتم العثور عليه من نفط في المملكة لا يمثل أي قيمة تذكر. وقبل عدة سنوات قمت بسؤال أحد المحللين السياسيين البريطانيين عن إن كانت الصحافة البريطانية تؤمن بما تكتبه عن المملكة أو العائلة الملكية. فقال لي إن الصحافة البريطانية في هذا الوقت تعاني من صعوبات وسط انتشار وسائل التواصل الاجتماعي. ولهذا فهي تميل للإثارة وبعناوين لافتة للانتباه لشد انتباه القراء. والغريب في الأمر هو أن الصحافة البريطانية أخفقت أكثر من مرة في تفسير أمور كثيرة تخص المملكة ولكنها مستمرة. وقبل عدة ايام قامت احدى الصحف البريطانية بالغوص في مياه لا تعرفها فيما يخص المملكة وعلاقة أفراد الأسرة الحاكمة مع بعضهم البعض وعن قوة التلاحم بينهم وبين المواطن السعودي. ولكن وللأمانة وبعد ان قرأت ما تم نشره في احدى الصحف البريطانية عن المملكة واسرتها الحاكمة بدا واضحا لي أن من كتبها لا يعرف أصول الحديث عن العالم الخارجي وبلغة أعتبرها ركيكة حتى لو أن اللغة الإنجليزية هي اللغة الأم للكاتب. واشتمل التقرير على كلمات هي أقرب لقصص الخيال منها للواقعية. وصحيح أن هذا النوع يشد انتباه من لا يعرف المملكة, ولكن لمن يعرف المملكة وسياستها وقادتها قد لا يكمل حتى قراءة المقال الذي يحتوى على كلمات رنانة ولكنها كلمات مفرغة من الحقائق. ورغم أن ما تمت كتابته في الصحافة البريطانية قد لا يستحق الرد عليه لكن عندما نتحدث مع محللين سياسيين بريطانيين تجدهم يهزون رؤوسهم عند قراءة مثل هذه المقالات في صحافتهم. ولو رجع أي باحث وقرأ ما كانت تكتبه بعض مراكز التحليل السياسي البريطانية قبل عقود من الزمن لضحك من ركاكة ما تمت كتابته ولرأى كيف أن التحليلات البريطانية كانت بعيدة كل البعد عن مفهوم التحليل السياسي.