د. إحسان بوحليقة

تهريب الوقود يزدادُ جاذبيةً

التنسيق بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية مطلوب على جميع الأصعدة، وهو قائم في العديد منها مند عقود. ويمكن الجدل أن أكثرها أهمية ذو البعد الاقتصادي. وهناك الآن حديث عن جهد تبلوره دول المجلس لتوحيد أسعار بيع المشتقات البترولية فيها، بحيث يصبح سعر البنزين موحدا عندنا وفي الكويت وعمان والبحرين والامارات وقطر. وهذا طرح يمكن أن يكون قابلاً للتحقق أخذاً في الاعتبار تراجع الإيرادات النفطية وبالتالي إيرادات الخزانة في تلك الدول. السبب أن أسعار المشتقات البترولية تتفاوت بين هذه الدول تفاوتاً هائلاً؛ فهي تباع بالأسعار العالمية في دولة الامارات في حين أنها تباع بأسعار دون ذلك بكثير في المملكة العربية السعودية، وبقية الدول الأعضاء بينهما. لكن علينا الأخذ بالاعتبار أن التوحيد بين دول مجلس التعاون مطلوب على أكثر من صعيد، وخصوصاً في القضايا المصيرية والسياسية أما قضية توحيد أسعار مشتقات النفط فلطالما اعتبارها من أولويات الصف العاشر، أما الآن فالأمر يتغير مع تغير الواقع، وتحديداً واقع الخزانة العامة من جهة وواقع أن وجود تفاوت هائل بين أسعار المحروقات في دولٍ متجاورة بينها الكثير من ترتيبات تسيير وتيسير التجارة، يجعل موضوع التهريب قضية تستحق كل اهتمام! انظر لفجوة سعر البنزين والديزل بين المملكة والإمارات، الفارق أضعاف، انظر للفارق بين سعر البنزين والديزل بين المملكة والأردن وستجدها أضعاف الأضعاف! هذا التفاوت في السعر يعني «تهريبا»، لا محالة، لذات الدوافع التي تُهَرّب من أجلها أي سلعة بما في ذلك المخدرات والمسكرات!وليس محل جدل أن اكتمال منظومة النقل العام أمر ضروري حتى يتمكن الفرد منا الاستغناء عن التنقل بالسيارة. هذا من حيث الاجمال، أما من حيث التفصيل فقد استجدت متغيرات جوهرية من أهمها رفع سعر بيع المشتقات النفطية في الدول الملاصقة كما سبقت الإشارة، مما يعني أن ما كان مناسباً قبل تلك التغيرات السعرية لم يعدّ ملائماً بعدها، إذ ان المصلحة المتوخاة من دعم سعر بيع المشتقات هي محلية بامتياز، ليس القصد منها «تصدير» تلك الميزة لسكان دول أخرى، وإن كانت خليجية أو عربية مجاورة، فالمزيد من الاستهلاك يعني استنزافاً لأموال أجدر بها أن تذهب للخزانة العامة للدولة، لكي تنفق على ما يفيد المجتمع السعودي. وبالتأكيد ليس القصد من ذلك الدعم أن يذهب لقمة سائغة للمهربين لمراكمة الثروة نظير «سرقة» مشتقات نفطية مخصصة للاستهلاك المحلي.وعليه، فمن المبرر القول إن على دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية دراسة سياسية -لا أقول واحدة- متوائمة لتسعير المشتقات لتكون الأسعار متقاربة، أو تسعر على أساس واحد؛ كأن تُسَعَر وفقاً للسعر العالمي كما هو الحال في الامارات العربية المتحدة حالياً، وكذلك على تلك الدول السعي حثيثاً لتنويع الأنماط المتاحة من النقل العام بما يخفف من تنامي الاستهلاك المحلي للنفط، رغبةً في تصديره للخارج للاستفادة من عوائده في النمو والتنمية، والاستعاضة عن الأنماط غير الكفؤة في التنقل بوسائل عامة عالية الكفاءة تستخدم الوقود النظيف. ولذا أعود لمقترح طرحته قديماً مع بعض التعديلات الضرورية ليأخذ بالاعتبار المستجدات في إيرادات الدول النفطية من جهة، وتصاعد وتيرة الاستهلاك للمشتقات من جهة ثالثة، ولمكافحة ظاهرة تهريب المشتقات من المناطق التي يُباع فيها مَدعوماً للمناطق التي يُباع بها وفق الأسعار العالمية أو حتى بأسعار أعلى، وهو أن ينشئ المجلس الأعلى لمجلس التعاون فريق عمل لإقرار «توحيد أسعار المشتقات البترولية في دول مجلس التعاون»، وأن يضع على رأس أجندته: المواءمة بين أسعار بيع المشتقات النفطية في دول مجلس التعاون بربطها بالأسعار العالمية وتراجع دورياً، وتسريع إنشاء منظومات لنقل الركاب ضمن المدن وفيما بينها من قطارات وميترو وباصات، وفتح المنافسة لتشجيع قيام مشاريع لنقل الركاب والبضائع براً وبحراً وجواً ضمن دول المجلس وفيما بينها، وإنشاء هيئة خليجية للنقل العام لتنظيم القطاع والمبادرات ذات الصلة.وتجدر الإشارة أن صناعة النقل بين دول مجلس التعاون تعاني نمطية مفرطة، فهي تحاكي نظيرتها الدولية، دون الأخذ في الاعتبار جملة أمور تتصل بإقليم دول مجلس التعاون، منها: أن دول المجلس متجاورة جغرافياً وأن بينها اتفاقيات للتعاون على أكثر من صعيد، لاسيما الشأن الاقتصادي، مما يعني أهمية تكثيف حركة نقل الركاب والبضائع بين الدول الست وفق أسس تزيل عوائق الاستثمار. ومنها كذلك أن جميع دول المجلس تقع على الخليج العربي، لكن استغلال البحر في نقل الركاب محدود جداً، سواء لأغراض السفر أو السياحة، رغم أنه خيار علينا إعادة طرحه لأكثر من سبب، فلقرون وقرون كان الخليج هو ما يربط دول المجلس من جهة ويربطها بدول العالم ولاسيما الهند من جهة أخرى، وفي ذلك ضخ استثماري وعوائد اقتصادية وإحياء للموروث البحري المعزز للسياحة البحرية في دول المجلس. وفوق كل ذلك فيه تحسين لاستخدام الموارد الناضبة بكفاءة.