د. فالح العجمي

كويكر السلام المكروهون

من يظن بأن العرب في وضعهم الحالي فريدون في طرازهم فيما يخص عدم تسامح المؤسسات الرسمية مع من يختلف عن أنساقهم المبرمجة، فإن عليه أن يراجع تاريخ الأمم الأخرى، التي مرت بهذه المراحل، ثم تخطتها بعد أن عرفت أخطاء تلك التحزبات، وضررها على المجتمع وعلى المؤسسات أيضاً بالقدر نفسه وربما أكثر. سآتي بمثال – والأمثلة كثيرة – يؤكد تشابه المؤسسات الغربية قبل أقل من قرنين من الزمان مع أوضاعنا الحالية؛ فقط كانت فرقة الكويكرز ذات مذهب ديني بروتستانتي تدعو إلى السلام والبساطة وحب البشر، فتعرّض أفرادها إلى كثير من المضايقات عند تعاملهم مع أي من المؤسسات الرسمية في بريطانيا (موطن نشأة ذلك الفكر). وإذا فتشنا في التراث الفكري لهذه الفئة، نجد أن أناساً بحجم إدوارد تايلور – المفكر الحرّ – قد أغلقت في وجهه أبواب الجامعات الإنجليزية، وهو من كان يؤمن بقدرة الإنسان – بوجه عام – على التقدم، وكان في ذلك يشاطر مصادرات ذوي النزعة التطورية في عصره. لم يكن يشك كذلك في الوحدة النفسية للإنسانية، التي كانت تفسر ما يلاحظ من تماثلات بين مجتمعات شديدة التباين: الفكر البشري بالنسبة إليه يشتغل في الظروف المتماثلة بطرق متشابهة أينما كان. وقد بقي أيضاً منخرطاً – بوصفه وريثاً للأنوار – في تصور فلاسفة القرن الثامن عشر الكوني للثقافة. وقد كان في نظرياته الأصيلة مؤسساً للإثنولوجيا بوصفها علماً مستقلاً، حيث تساءل عن "أصول الثقافة" وعن آليات تطورها. وهو أول عالم إثنولوجيا يعالج الظواهر الثقافية من منظور عام ونسقي، بل كان أول من حرص على دراسة الثقافة في المجتمعات بكل نماذجها، وبكل صورها المادية والرمزية وحتى الجسدية. وعلى إثر إقامته في المكسيك، فرغ تايلور من تدقيق منهجه في دراسة تطور الثقافة بتفحص "البقايا" الثقافية. كما أمكن له في المكسيك أن يعاين تعايش عادات السالفين مع سمات ثقافية حديثة العهد، وكان يرى أنه يتيسر، عبر دراسة "البقايا"، أن يتم التدرج صعوداً إلى الكل الثقافي الأصلي وإعادة تركيبه. وبتعميم هذا المبدأ المنهجي انتهى إلى الاستنتاج القائل بأن ثقافة الشعوب البدائية المعاصرة كانت تمثل بصفة عامة الثقافة الأصلية الخاصة بالإنسانية: بقايا مراحل التطور الثقافي الأولى تلك التي لا بد من أن تكون ثقافة الشعوب المتحضرة قد مرت بها. وكان منهج تفحص البقايا يستدعي منطقياً تبني المنهج المقارن الذي تولى تايلور إدراجه في الإثنولوجيا، من كون دراسة الثقافات المتفردة لا تستقيم بالنسبة إليه من دون إقامة المقارنة بينها، لأن بعضها يرتبط ببعض. وبمواجهة أولئك الذين كانوا يقيمون قطيعة بين الإنسان المتوحش والوثني، وبين الإنسان المتحضر والتوحيدي، كان هو حريصاً على بيان الصلة الجوهرية، التي كانت توحد بين الأول والثاني، فليس بين البدائيين والمتحضرين اختلاف في الطبيعة، بل مجرد فارق في درجة التقدم على طريق الثقافة. وقاوم تايلور بحماس نظرية انحطاط البدائيين، التي أوحى بها اللاهوتيون، الذين لم يكن بمقدورهم تصور تساويهم مع كائنات مختلفة عنهم في المنطلقات، وهي النظرية التي كانت تيسر إنكار كون البدائيين كائنات بشرية مثل الأخرى. على العكس من ذلك، كان كل الناس بالنسبة إليه كائنات ثقافية، سواء بسواء، وكان إسهام كل شعب في تقدم الثقافة جديرا بالتقدير. وبهذه الموضوعية والانشغالات المنهجية الدقيقة أصبح بحق مؤسس الإثنولوجيا البريطانية، وإليه يرجع الفضل من جهة أخرى في الاعتراف بهذا العلم تخصصاً أكاديمياً، إذ أصبح – للمفارقة بعد رفضهم إياه مسبقاً – أول من يشغل كرسياً أنثروبولوجياً في بريطانيا العظمى في جامعة أكسفورد.