القصيبي أضحك الناس ورحل
شاهدت قبل أيام مقابلة الاعلامي المتميز سلطان القحطاني في برنامجه الجميل «حديث العمر»، الذي تعرضه قناة «روتانا خليجية»، مع السفير الكويتي في لندن خالد الدويسان، الذي استعاد شريط الذكريات خلال هذه الاستضافة مع الدكتور غازي القصيبي رحمة الله عليه. كان حوارا ممتعا وجميلا تحدث فيه السفير عن كثير من المواقف والمقالب التي حصلت بينه وبين القصيبي رحمه الله. يقول السفير: كان «القصيبي يحب أكلة «الرهش» الكويتية، وكنت أحضر له صناديق من هذه الحلوى وأضعها أمام منزله، لأنه جاري في السكن، وكانت أم سهيل زوجته تلومني، وتقول لي إن زوجها زاد وزنه بسبب الحلوى التي أحضرها له، وهو أيضا كان يشتكي مني في كتاباته وفي الصحافة، وكلما اشتكى جاءته المزيد من الحلوى التي يهديها له أشخاص آخرون». يذكر السفير خالد ايضا من تلك المقالب ان القصيبي كان دائما له حضور كبير في أي مجلس يكون فيه لكونه شاعرا ومفكرا وأديبا ومتحدثا مميزا فاذا حضر في مجلس تحول الى احتفالية كبيرة، يقول السفير: في احدى المناسبات تعمدت أن أجلسه في طاولة رئيسية، وكان يجلس إلى يمينه «لورد» عمره 90 عاما ولا يسمع، وعلى شماله «بارونة» أيضا تتجاوز الـ 85 عاما ولا تسمع، وتعمدت أن أجلس أنا وراءه حتى أرى ردة فعله، وكان كلما حاول التحدث إلى مجاوريه لا يسمعونه، ولذلك كان يلتفت إلي وأنا خلفه كل فترة وبعينه الغضب. يقول السفير: وكردة فعل على هذا المقلب، كنا نحن السفراء العرب في زيارة للشيخ سعد العبدالله ـ رحمه الله ـ بعد خروجه من المستشفى، وكانت لغازي القصيبي مكانة خاصة، ولذلك أجلسه الشيخ سعد إلى جانبه، وأثناء الحديث والشجون الذي حصل وإذا بغازي يقول للشيخ سعد «أنا لدي شكويان على سفيركم»، وعندما تنبه له الشيخ سعد، وقال له «آمر دكتور ما هما الشكويان اللتان لديك على سفيرنا؟»، رد غازي «سفيركم يعزمنا وايد، ولذلك نريده أن يخفف من هذه العزائم». وهنا ضحك الشيخ سعد، ثم قال غازي: أما الشكوى الثانية فهي أن السفير الدويسان يجلب أمراض القلب للسفراء، لأنه يجهدهم في لعب التنس، ولدينا شاهد بأن السفير المصري محمد شاكر الذي كان عميدنا في ذلك الوقت تم إدخاله إلى المستشفى بعد ساعتين من لعب التنس مع السفير الدويسان. فأصر الشيخ سعد العبدالله بعدها على زيارة السفير المصري آنذاك، والذي تفاجأ بدوره برغبة الشيخ في زيارته. وفي إحدى المرات يقول السفير قال لي دكتور غازي: «أنا راح أخلي أهل الكويت كلهم يزعلون منك»، وكتب عني مقالا قال فيه «إن سفير الكويت بدأ ينساني ولا يدعوني للعزائم»، وفعلا أشعرني هذا المقال بالكثير من الحرج، فكلما قابلت المواطنين كانوا يلومونني على هذا الأمر.يقول السفير بعد وفاته والذي شكل صدمة كبيرة لي وحزنا شديدا، تم عمل تأبين كبير في أكبر معهد وهو «شاتن هاوس»، ودعوا لهذا التأبين كل الناس الذين كانت لهم علاقة وطيدة مع الراحل، وأنا الوحيد الذي لم أؤبن غازي القصيبي، وإنما فقط كنت أتحدث عن مقالبه، وعندما سئلت عن السبب أجبتهم بأن «غازي ترك أثرا جميلا بالنسبة لنا جميعا، ويجب ألا ننحب على هذا الإنسان الرائع، بل دعونا نتذكر الذكريات الجميلة معه».لما توفي الدكتور غازي رحمه الله كنت ما زلت أحضر الدكتوراه في بريطانيا وكان وقع الخبر ثقيلا علي بل لم أصدق الخبر الذي نقله إلى مسمعي أحد الأصدقاء حتى تأكدت بنفسي من الخبر. ولقد حزنت عليه كثيرا. بعد يوم من وفاته تفاجأت برسالة من أخي المهندس أحمد الملحم والذي طالت صحبتنا مع الدكتور غازي رحمه الله عبر أشعاره ورواياته يقول في عنوانها «من حق أخي غازي». كانت أشبه بمواساة منه قرأت الرسالة بلا مبالغة أكثر من عشر مرات وكنت أرى فيها دموع أحمد بين الأسطر حزنا على غازي. يبدأ احمد الرسالة بقوله:من حق الحياة أن نصف الجمال فيها بجماله فنقول عنه بأنه جميل وغازي شاعر جميل وأحب أن أصفه بأنه أخي غازي وذلك بسبب طول صحبتي له في شعره وأنعم بها وأكرم من صحبة حفظت عنه المئات من الأبيات وأكره أن أنساها. وأخي غازي في نصه يثير فكري ويشد بي وتر القافية أذكر أنه قبل ما يقارب عشرين سنة قرأت عنه هذه الجملة «صراع دونما غاية ومعركة بلا راية» وكنت قريب عهد ببنت الشاطئ وهي تنبه بأنه في النقع المثار اهتزت الرؤيا وضلت المقاييس فتكونت صورة رجل ضلت مقاييسه في نقع مثار فخاض معركة بلا راية فكان لسان حاله يقول:مثار النقع من حوليوأما القصد فلا أدريوأصواتوأشلاءوأعداء لها صبريأحث النفس للضربيلأصلي من لظى ناريأجندل الذي ألقىأعاب علي أفكاريأنا الأسمىأنا الأقوىأنا الأجدى بأشعاريفلا رأي كآرائيعظيم عالي القدرعدوي من يخالفنيعدوي أنتعدوي أنت يا غيريثم يسترسل الملحم بقوله:وغازي يبهر في جمال قصائده وهو كلما تقدم به العمر كالماس ازداد في خاطري نورا وصلابة وقوة ومن هذا حاله من المؤمنين يرجى له الخير ويبشر بإذن الله.ابشر..ابشر...ابشر ومن طالت به أيامه يبشرابشر فكم رفعتها سبابة تقرران الإله واحد عن شركه مطهرابشر بكل قطرة مع الوضوء تهمرسالت وقد رجوتها مع الذنوب تقطرابشر بكل ركعة أقمتها تستغفرفي ليلة طويلة أضاء فيها القمرناء بها في بقعة ما عرفتها البشرويكرر أبو ريماأبشر يا أبا يارا فكم رفعتها سبابة تقررأن الإله واحد عن شركه مطهرفأبشر يا أبا يارا برب رحيم