تَكلَّموا تُعْرفوا!
أنشأ أحد الأصدقاء مجموعة «واتساب» ثقافية. ولمَّا أبدى له أحدهم ملاحظة عن غرابة ما يُطرح من مشاركات، ذكَّره بقول سقراط: "تكلم حتى أراك"! ولأنَّ "المرءَ مخبوءٌ تحت لسانه" فقد كشفت وسائل التواصل الحديثة المغطى، وأزاحت الستار عن المخبوء. وساهمت، إلى حد كبير، في التعرف على أنماط السلوك الاجتماعي ومستويات التفكير، وسهَّلت قراءة الواقع الاجتماعي والثقافي بشكل أفضل من ذي قبل. ومن طرائف مواقع التواصل الاجتماعي، وما أكثرها، أن طفلة صغيرة استأذنت والديها في أن تتواصل اجتماعيا فتفتح لها حسابا على (تويتر) لتنضم إلى قافلة المغردين. لم تكتفِ بصفحتها على (فيس بوك) المزدحمة بصور (ويني دبدوب وباربي وهيلو كيتي ودارا وأفلام فروزن) وكل ما يتعلق بعالم الأطفال الجميل البريء المسالم. لم يجد والداها الفكرةَ صائبةً، فاستعانا بجدّها ليقنعها بالتراجع عن قرارها. لكنه فاجأهما بما لم يكن متوقعا، حيث لم يجد في الأمر ما يقلق. صحيح أنها مازالت تتعثر لغويا، لكنها، في رأيه، ليست أسوأ لغةً من بعض مستخدمي الموقع الكبار. وصحيح أيضا أنها مازالت صغيرة، وليس لديها ما تقول، إلا أن ذلك ليس سببا مقنعا، لأن كثيرا من مستخدمي تلك المواقع ليس لديهم ما يضيفونه. وأن الجود من الموجود، كما يقال. مع ذلك، يحصل بعضهم على أعداد غفيرة من التابعين أو المتابعين على (تويتر) ومن الأصدقاء على صفحة (فيس بوك)، ومن علامات الإعجاب (like) المجانية التي تدون تحت أية مشاركة، حتى لو كانت إعلانا عن وفاة أحد الأقارب، أو الحديث عن الإصابة بوعكة صحية. (ليس في الأمر مبالغة فقد حدث ذلك فعلا). وقد يحقق أحدهم رقما قياسيا في عدد المتفاعلين معه عندما يعرض صورة كيكة بالكريم كراميل مع كوب قهوة. مما يعني الاهتمام بالعرضي والزائل وصرف النظر عما هو جوهري ومفيد. أي الاهتمام بالشكل على حساب المضمون، وبهامش الهامش على حساب المتن. ثم إن الأطفال أكثر براءة ونقاءً وصدقا من كثير من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، وخصوصا أولئك الذين يتخذون من مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة لخدمة (أجندات) تساهم في إشاعة الفوضى، وكذلك هواة البذاءة والعنف اللغوي الذين تفوح من كلماتهم رائحة الكراهية والعنصرية. كما أن الأطفال لا يدَّعون فهما زائفا في أمور السياسة، فيهرفون بما لا يعرفون كما يفعل الكبار. ولن يكون للسياسة خانة في تغريداتهم، لأن السياسة والبراءة لا تجتمعان في قلب واحد. أعود إلى حكاية الطفلة الراغبة في اللحاق بركب تويتر، والانضمام إلى مضارب العرب الإلكترونية، فقد تراجع الجد عن موقفه السابق، وانضم إلى صف "الممانعة" المكون من الأب والأم، لسبب آخر مختلف عن الأسباب والحجج التي ساقها والدا الطفلة. كان مصدر قلق الجد الوحيد هو أن تنشغل الطفلة بالإنترنت، سارقِ الوقت، وتهمل واجباتها المدرسية. وهو قلق في محله، فقد ساهم إدمان الجيل الجديد للإنترنت في ضعف التحصيل العلمي. سيلاحظ المتصفح لموقع تويتر، مثلا، أن النجومية قد أغرت بعض الأكاديميين والكتاب فاستوطنوا الموقع لا يفارقونه حتى يغلبهم النوم. وتقمص بعضهم دور النابغة الذبياني في سوق عكاظ التويترية، فاتخذ من الموقع منصة لتوزيع صكوك الإبداع، ونأى بعض المحسوبين على النخب العاقلة عن الموضوعية والاتزان، فدخل في سجال عقيم، يسعى فيه كل طرف إلى أن يفرض قِيَمه الخاصة على الطرف الآخر عبر خطاب متشنج. "ومن كثر كلامه كثر سَقَطه".