أقوياء بسبب المقاطعة
كان الاستعمار الإنجليزي بالهند في ثلاثينيات العقد الماضي يسلب هذا البلد ثرواته ليعيد تصنيعها في بلده ويعاود بيعها على الهنود فيربح أرباحا مضاعفة على حساب الشعب الفقير، حتى قاد الزعيم الهندي غاندي تحرير الهند بعد أن حارب الانجليز اقتصادياً فغلبهم.يعلمنا التاريخ أن غاندي الذي رفع شعاره الشهير "كلوا مما تنتجون والبسوا مما تصنعون وقاطعوا بضائع العدو" كان أول المساهمين في جعل الهند على ما هي عليه اليوم، من بلد مُستعَمر يطمع به وبموارده الطبيعية الدول القوية ويستعبدون سكانه الكثر ويتم تسخيرهم للعمل في جيوشهم ومستعمراتهم وكأنهم عبيد لهم، إلى بلد يعد اليوم من أكبر البلدان الاقتصادية (يحتل المرتبة الثانية عشرة عالمياً) وثاني أكبر دولة تملك قوة بشرية بتعداد يبلغ 516.3 مليون فرد.غيّر هذا الشعار حياة الهنود الذين تفاعلوا معه على مستوى واسع، فأول من طبقه آنذاك تجار وأثرياء مدينة بومباي الذين حرقوا قرابة 51 ألف منسوج مستورد تضامناً معه، فأخذ الهنود يصنعون ملابسهم في بيوتهم ويخيطون ثيابهم بأنفسهم، حتى نحن صرنا نستعين بالباعة والخياطين الهنود في بلداننا الخليجية بعد أن امتازوا بخبرتهم الواسعة في هذا القطاع.فاليوم تعتبر صناعة المنسوجات أحد أهم منتجات الهند الصناعية في حصتها من التجارة العالمية البالغة نسبتها 1 بالمائة، كما تنتشر مصانع المنسوجات في أكبر مدنها كبومباي وغوجارات وتاميل نادو وليست في المصانع بل حتى في البيوت، حيث توفر هذه الصناعة أكثر من 400 ألف وظيفة للهنود.هكذا استفاد الهنود من المقاطعة واعتمدوا على أنفسهم وبعد عشرات السنين من ذلك الشعار ها هم يجنون ثمرة الاكتفاء الذاتي التي زرعها لهم زعيمهم غاندي وطبقوا شعاراته فتربوا عليها جيلا بعد جيل.لا شك يعد العرب والمسلمون قوة شرائية لا يستهان بها وأسواقا استهلاكية بامتياز، بيد أن هذه قد تنقلب إلى إيجابية في مرات عديدة، فكلنا نتذكر كيف كبلت مقاطعة الدول الإسلامية للدنمارك (بلد الاجبان) وأدت إلى خسائر قدرت بـ 30 بالمائة من إجمالي الصادرات للخارج، فنحن قوم محبون بشكل غير طبيعي للجبن على الخصوص ولكن ها هي تلك المقاطعة تعيد حسابات الدول الاقتصادية في قراراتها السياسية تجاهنا.سلاح المقاطعة سلاح ذو نصلين لذا يجب أن يوجه بقوة ويوجد له بديل أقوى، فاليوم وبفضل مواقع التواصل الالكترونية والهواتف الذكية التي تقوم بدور المروج لحملات المقاطعة في بلداننا الخليجية أدت الكثير منها إلى لجم جشع التجار وغلو الأسعار، ولكن لنتعلم أن يكون البديل في الصناعة المحلية الرخيصة وذات الجودة، لنصير مع الوقت بلدانا مصنعة، للأسف هناك من المصنعين المحليين الذين يستغلون الوضع ليرفعوا الأسعار لذلك يجب علينا جميعاً أن "نأكل مما ننتج ونلبس مما نصنع" بالذات ونحن نعيش وضعا اقتصاديا معتما.