د.ابراهيم العثيمين

خطاب روحاني.. تناقض يتراقص على الفتنة

أكتب هذا الأسبوع من جزيرة منهاتن في مدينة نيويورك التي يقع فيها مقر الأمم المتحدة، حيث انتهت مساء السبت 3 اكتوبر 2015 المناقشات العامة (المداولات) للدورة 70 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وامتازت هذه الدورة التي انطلقت في الذكرى السبعين لقيام الأمم المتحدة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، بمشاركة عدد كبير من الزعماء والرؤساء ورؤساء الحكومات. وقد ناقشت الجمعية ولمدة اسبوع قضايا هامة مثل موضوع اللاجئين، ملف الإرهاب، إضافة إلى القضايا السياسية الراهنة كالازمة في سوريا واليمن وأوكرانيا وغيرها من الموضوعات. حضرت معظم كلمات رؤساء ومندوبي الدول. الا اني في هذا المقال سوف اركز على خطاب الرئيس الايراني حسن روحاني الذي القاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحد يوم الاثنين 28 سبتمبر 2015. والمتمعن في الخطاب يجد انه خطاب متناقض مع ممارسات ايران على أرض الواقع ومن متابعتي للشأن الايراني لم يأتِ هذا الخطاب بجديد ولم يطرح أمرا جديا، يُخرج ايران من مسؤولياتها عن كثير من مشكلات المنطقة والتي لا تزال هي أحد أسبابها الرئيسية. يتمحور خطاب روحاني حول ثلاث قضايا رئيسية وهى كالآتي:القضية الاولى: تسييس الحج استهل روحاني خطابه بالحديث عن حادثة تدافع الحجاج في مشعر منى، مشيرا إلى «أن الشعب الإیراني في حالة حزن عمیق بسبب مقتل مسلمین وبینهم مئات الإیرانیین فی موسم الحج»، مضیفا «أن الحادث الذي تعرض له الحجاج فی منی كان بسبب سوء الإدارة». وطالب روحاني الحكومة بإعادة جثامین الضحایا الإیرانیین وكشف مصیر المفقودین. وقد كرر روحاني الكلام نفسه في خطابه الذي ألقاه في قمة الأمم المتحدة حول أهداف التنمية العالمية يوم السبت 26 سبتمبر 2015 عندما طالب «بإجراء تحقيق في أسباب هذه الحادثة وحوادث أخرى مشابهة في حج هذا العام».كان هذا الخطاب متناقضا تماما مع تصريح وزير الصحة الايراني حسن هاشمي. فخلال اجتماعه مع نظيره السعودي خالد الفالح في مدينة جدة يوم الأربعاء 30 سبتمبر، أثنى الوزير الإيراني على جهود المملكة والاستجابة للتعامل مع الحادث وتقديمها كل الخدمات الصحية والإسعافية لجميع المصابين، معرباً عن تفهمه لصعوبة المهمة التي تضطلع بها حكومة المملكة والخدمات التي تقدمها خلال موسم الحج وتفانيها في ذلك. واتفق الطرفان على نقل جثامين المتوفين الإيرانيين الذين تم التعرف عليهم بأسرع وقت والاستمرار بالتواصل للتعرف على البقية ورعاية حالة المصابين. وفي نهاية الاجتماع قال الوزير الإيراني «إن حادث التدافع كان أمراً خارجاً عن الإرادة، ونحن نسلم لمشيئة الله وقدره».إيران آخر من يتحدث عن ادارة الحج والحجاج، فموسم الحج كان وما زال ورقة سياسية قديمة لم تتوقف ايران عن التلاعب بها منذ بداية الثورة سواء في احداث 1987 او حادثة نفق المعيصم في 1989 أو غيرها من الاحداث التي حاولت ايران من خلالها هز امن واستقرار الحج عبر حملات ترويج لما تسميها الثورة الإيرانية الإسلامية بين الحجاج ومراسم البراءة من المشركين. وكانت السعودية دائما تؤكد على عدم تسييس موسم الحج والعمرة وتمنع اي محاولة لإثارة الفوضى. القضية الثانية: استقرار المنطقة ونشر الديمقراطيةتطرق روحاني في خطابه ايضا إلى الأوضاع في المنطقة العربية، وقال إن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أصبحا من أكثر الأماكن توترا في العالم، مضيفا ان إيران مستعدة للمساعدة في نشر الديمقراطية في سوريا واليمن كما فعلت في العراق وافغانستان. لما سمعت الترجمة لهذا المقطع مددت قدمي تيمناً بأبي حنيفة وذكرت البيت العربي الذي يقول: إن كـان عندك يا زمــان بقيــة مما يهـــان بهــا الكرام فهــاتهاإيران تتحدث عن الاستقرار والديمقراطية، ايران كانت وما زالت احد اهم اسباب عدم الاستقرار في المنطقة عبر التدخل في شؤونها الداخلية واثارة الفوضى والعنف. ففي سوريا لا تزال ايران السبب الرئيسي في سياسة التدمير المنهجي الشامل التي تشهدها سوريا وقتل اكثر من 350 ألف سوري وتشريد اكثر من 8 ملايين ولجوء أكثر من أربعة ملايين وتدمير حضارة يعود تاريخها لآلاف السنوات من خلال دعمها لنظام الاسد الذي فقد شرعيته، عن طريق ارسال الاف المليشيات من العراق وأفغانستان وباكستان إضافة إلى مقاتلي حزب الله اللبناني التي تعمل على قتل السوريين وتشريدهم. اما في اليمن فإيران سبب في الفوضى اليمنية من خلال الدعم والمساندة للمتمردين الحوثيين في الشمال الذين انقلبوا على الشرعية في اليمن. ففي كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، قال الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي إن إيران عرقلت كل الإجراءات التي قامت بها اليمن على طريق الانتقال السياسي للسلطة في إطار المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية وقرارات مجلس الأمن الدولي، بعدما دربت عناصر ميليشيات الحوثيين في مسعى منها لفرض التجربة الإيرانية في اليمن. وقال هادي إنه تحدث أمام المنظمة الدولية من 3 سنوات وأوضح كيف قامت إيران بتدريب الميليشيات، فضلاً عن احتجاز سفن إيرانية محملة بالأسلحة إلى هذه الميليشيات. القضية الثالثة: الاتفاق النووي ذكر روحاني في كلمته أن إيران لم تسع أبدا لامتلاك الأسلحة النووية، والعقوبات ضد طهران كانت غير مبررة. وأضاف أن فصلا جدیدا بدأ الیوم بین إیران والعالم وطهران عقدت العزم علی فتح أجواء جدیدة مع الحفاظ علی مبادئها. تحدثت عن القضية النووية كثيرا في مقالات سابقة ولن أسهب هنا لكني سوف أذكر نقطة أثرتها سابقا وهي ان امريكا والدول الاوروبية كررت مع طهران ما فعلته مع موسكو عندما اتفقتا على تسوية الملف الكيماوي في سورية وأهملتا كافة عناصر ومكونات الأزمة السورية الأخرى، فواشنطن اختصرت الأزمة مع طهران في الملف النووي، وأهملت العناصر الاخرى كالتدخلات الايرانية في شؤون المنطقة واثارة الفوضى سواء في سوريا او العراق او اليمن او التدخل في الشؤون الخليجية.