سياسة الادخار
لنتعلم سياسة الادخار، ولنكف عن الاستهلاك المبالغ فيه، فطريقة الاستهلاك التي نتبعها في مجتمعنا الخليجي والتي صارت ظاهرة مخيفة جداً، هي مرادف للإسراف الذي يعقبه الندم، فأسلوب الحياة الذي نزاوله مفرط الترفيه والترف الذي قد يضر صاحبه يوماً. نحن مقبلون على دورة تصحيحية "قد" تقلبنا إلى القاع، و"قد" نتجاوزها كما فعلنا في السابق، ويبقى "قد" حرف تشكيك كما نعرف، وتبقى الحقيقة أننا يجب أن ننتبه لتغير سلبي بدأت بوادره تنجلي، وهذه الإرهاصات هي مقدمات لتلك الدورة التي تكون بين الصعود العالي والهبوط الحاد، لتتبع الدورات التي قلت عنها إنها "تصحيحية" ومهمتها أن تعيد الأمور إلى مستواها الحقيقي بعد أن أفرطت في الاتساع وميزتها أنها تجرف معها كل شيء، قبل أن تبدأ من جديد في النمو بالصعود أو النزول التدريجي وذلك وفقاً للاستعداد لها، وهي دورات طبيعية تحدث حتى على مستوى الأفراد، لذا فإن الله أمرنا بعدم الإسراف والتبذير، فالنعم كما يقال"زائلة" وهذه الحقيقة يجب أن تجعلنا نتوخى الحذر كأسلوب حياة.في العشرينات وضع الاقتصادي الإنجليزي جون مينارد كينز نظرياتها التي كان أهمها نظريته في الاستثمار والادخار والدخل والتي بُنيت عليها سياسات اقتصادية كاملة، ولكن وقبل نظرية كينزي الادخارية كانت نظرية نبي الله يوسف "سبع في سبع" والتي قوامها هو الادخار لسبع سنين كانت كفيلة بإنقاذ البشرية حينها من الهلاك.وعلى الرغم من أن النظرية الكينزية قد وضعت للدول الصناعية كما يقول منتقدوها، إلا إنها من أكثر النظريات الاقتصادية واقعية للاقتصاديات النامية، حتى باتت ترسم سياسات الاقتصاد الحديث الأكثر جدوى، واليوم يعتبر كينز هو المنّظر الفعلي لعلم الاقتصاد المعاصر حتى اعتمد علم الاقتصاد المعاصر على نظرياته التي سمّيت بـ "الكينزية" نسبة له. وأكثر ما أركز عليه في المقال من نظرية كينز الادخارية هي واقعية ما قاله عن "نظرية تفضيل السيولة" موضحاً فيها أن الأفراد قد يفضلون الاحتفاظ بالنقود والسبب أن للنقود دوافع منها "المعاملات والاحتياط والمضاربة".وما يهمني هنا هو الفرد المستهلك ذاته لذا فأردت إيضاح بعض مما قاله حول ذلك، إذ تقول نظريته: أنه وخلال الفترة من استلام "الرواتب" وإنفاقها لا بد للفرد أن يحتفظ له بمقدار معين من النقود "السائلة" لتحقيق طلباته الطارئة.انتقد الكثير هذه النقاط بالذات في نظرية كينز بيد أني أستعين بها اليوم لأنقل ما أود قوله: فعلى الرغم من أن العقار هو "الاستثمار الآمن" ولكن في حال "شحت السيولة" في السوق لن يفيد العقار ورهوناته حينها صاحبه، بل لن تفيد مدخرات كالذهب والشيكات والأسهم وأدوات المضاربة والاستثمار وخلافها، ما يعرّضها لفقدان قيمتها الحقيقية كما يحدث اليوم للذهب والنفط، وحدها النقود السائلة هي التي ستكون لها قيمتها، فعليكم بادخارها بالطريقة التقليدية ما استطعتم.