ربّ ضارة نافعة .. الاقتصاد والبيئة
يرفع العرب عادة هذا الشعار للتخفيف من ألم الضرر، الذي يلحق ببعض الناس في حالات وظروف محددة؛ لكنه يصدق في حالات أخرى، سواء كانت الأعراض المصاحبة لذلك الضرر - التي تسبب نفعاً من ناحية أخرى - مقصودة أو غير مقصودة. ومثل سائر أمثالهم تتوالد الأفكار المهيئة لقيم تقوم على الإيمان بصدق تلك الأفكار ومطابقتها التامة الواقع؛ ففي المراحل المختلفة لأطوار الحياة الفردية والمجتمعية توجد دائماً نقاط ارتكاز، تتضاءل فيها نسب السلامة في البناء وحسن الاختيار، كلما كانت اللبنات الأولى مضللة في صناعة أنساق وهمية لا تتطابق مع منطق الحياة، ولا مع ما يرتضيه المجتمع لأسس العيش المشترك. وهنا تبدأ عمليات نشوء المتاهات، التي تُفقد الأفراد الثقة في قدراتهم الذهنية والبدنية من جهة، كما تنزع عنهم الحماس في المشاركة الاجتماعية الفاعلة. وفيما يتفق مع أفكار ذلك المثل أو المقولة العربية توصّل الباحث جوس ليليفلد من معهد ماكس بلانك الشهير بأبحاثه المتميزة في ألمانيا إلى ما يشبه تلك المفارقة التي ينطبق عليها ذلك التراث العربي. فقد رصد مجالاً تتقلص فيه الأرقام بعد تراجع ملموس في مستويات تلوث الهواء؛ وكانت تلك الملاحظة القائمة على مراقبة طويلة لأوضاع الهواء المختلفة في مناطق محددة على فترات طويلة نسبياً (تمتد إلى عدد من السنوات في كل منطقة) قد أفضت إلى استنتاجات مهمة جداً، مفادها أنه كلما زاد النشاط الاقتصادي في منطقة على الأرض - وهو ما يصاحبه بالطبع استخدام متزايد للطاقة - ازداد مستوى تلوث الهواء. وربما تكون هذه المعادلة مفهومة علمياً؛ لكن الجديد في استنتاجات ذلك الباحث، أن تقلص النشاط الاقتصادي واستخدام الطاقة قد صاحبه تحسن في مستوى نقاء الهواء في بعض المناطق، التي كانت ملوثة الهواء، وبعد أن تردى اقتصادها تحسن هواؤها وبيئتها الطبيعية في المقابل. أجريت هذه الدراسات في عدد من البلدان ذات المؤشرات الاقتصادية المتباينة، ومنها: اليونان (صاحبة أشهر تقلبات اقتصادية في هذا القرن) وأثبتت البيانات المأخوذة من عينات فعلية في مناطق مختلفة من البلاد، أن مستوى تلوث الهواء قد خفت حدته بدءاً من سنة 2008م، وهي السنة التي أعقبت الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي عصفت بما تبقى من أسس اقتصادية في ذلك البلد. كما تابعت هذه الدراسات المعملية الأوضاع في كل من مصر وسوريا بدءاً من الربيع العربي في 2011م، وتبين من خلال متابعة العاملين (الاقتصادي والبيئي) أن مستوى التلوث في الهواء قد نقص بصورة حادة منذ ذلك التاريخ، لأن كثيراً من دواعيه قد انتفت بعد انحدار الاقتصاد (الصناعي والتجاري والسياحي على وجه الخصوص). ومن خلال تلك الأمثلة وحالات أخرى من مناطق مختلفة من العالم تبين لفريق البحث أن مستوى التلوث ربما يساعد السياسيين في معرفة المناطق المتوترة حول العالم. فبالنظر إلى خرائط جوية توضح تحسن البيئة وقلة تلوث الهواء يدرك المتابع لأوضاع تلك المناطق أنها تعاني توترا سياسيا، يجعل النشاط الاقتصادي يقل، وبالتالي تضعف الضغوط على موارد الطبيعة. وخلافاً لما يجري حالياً من محاولات معرفة المناطق الموبوءة بالعنف والحروب، ستصبح قياسات درجات التلوث دالة على مدى ارتياح الناس في مناطقهم بما يتناسب عكسياً مع المؤشرات الاقتصادية في تلك البقعة من العالم. وهو ما يعني توفير كثير من الوقت والجهد في عمليات الإغاثة وتتبع المناطق الموبوءة بالحروب والأزمات المعيقة لعمليات التنمية ودورات الحياة الاقتصادية الطبيعية. وعلى رأي المثل العربي: "ربّ ضارة نافعة" والحي أدوم من الميت، ولو كانت كلفة الحياة مرتفعة.