إيران.. الفجاجة السياسية
أعتذر من السادة والسيدات القراء الكرام على مفردة الفجاجة الواردة في العنوان ولكن بحق لم أجد كلمة أخرى تصف التصريحات التي توالت في الأيام الماضية من المسؤولين الإيرانيين سواء تلك التي تتعلق بوضع حجاج بيت الله الحرام، وعلاقتها بما تقدمه لهم السلطات السعودية من خدمات غير مسبوقة في التاريخ، أو فيما يتعلق بالتصريحات التي تصف حال المنطقة العربية بشكل عام، وتخص الأوضاع في سوريا، وتتحدث بفجاجة وبجاحة غير مسبوقة عن أن إيران ستجلب الديمقراطية إلى المنطقة، إلى سوريا تحديداً. الرجل الذي يقف على رأس الدبلوماسية السعودية كان بالأمس دبلوماسيا حصيفاً عندما قال: إن المسؤولين الإيرانيين هم آخر من يتحدث عن هذه الأمور، ومع هذه الدبلوماسية الجمة، يمكن قراءة حالة عامة تَسِمُ طبيعة العلاقات السياسية السعودية الإيرانية عموما تتلخص فيما يلي:أولاً: أن الجانب الرسمي الإيراني بشقيه السياسي، والقيادي، نجح في تفتيت أدنى درجات المقبولية السياسية والدبلوماسية في علاقات دولتين (المملكة العربية السعودية - الجمهورية الإيرانية) ضمن أفراد المجموعة الدولية.ثانياً: طبيعة العلاقة التي كان يؤمل أن تكون تعاونية بين هذين البلدين، وعبر تاريخ وسلوك سياسي إيراني توجت بتراكم كم هائل من العثرات التي ابتكرها الجانب الإيراني، بهدف الإضرار بأمن واستقرار المملكة العربية السعودية، والتشويش على مواقف قيادتها السياسية، والتأثير سلبا على خدماتها التي يتلمسها مسلمو العالم، والمنظمات الدولية الإسلامية.هذان المساران وعبر ما يقرب من أربعة عقود، نقلا طبيعة الاتصال الدبلوماسي والسياسي إلى حالة يمكن توصيفها بالتنافسية عوضاً عن التعاونية، ومع استمرار الطرف الإيراني بسبب جملة من الظروف الداخلية والإقليمية، في النهج التنافسي انتقلت العلاقة في ثوبها العام إلى المناخ الصراعي. وهذه الحالة ليست في واقع الحال جديدة في علاقات الطرفين، ويؤكد أكثر من مراقب على أن العقد الأخير شهد تصاعد هذه الحالة إلى ما يمكن تسميته بالصراع عبر الوسيط والتدخل في الشؤون العربية، وهذا ملموس فيما حدث في إيران واليمن وسوريا بفعل التدخل الإيراني تارة والدعم المادي تارة أخرى.إيران في لعبة الصراع هذه اكتفت بعنصرين مهمين في حربها، وحروبها غير المعلنة مع المملكة العربية السعودية، واستخدمت أساليب غاية في الغرابة، وغير أخلاقية ومنها على سبيل المثال الإغراق المتعمد للمنطقة الخليجية وللمملكة العربية السعودية بالمخدرات! ومع استمرار هذه الجولات التي كانت تتناوب على تنفيذها أكثر من جهة داخل إيران، بهدف الإضرار بالمملكة وبالمنطقة طرأ تغيير على معطيات التعامل مع الوضع الإقليمي أشار بوضوح عن نية وعزم المملكة الوقوف بحزم لسلسلة التدخلات الإقليمية، مع ضرورة العزم على تأمين دول المنطقة من تبعات التدخل والتخريب المتعمد عبر تغذية أطراف سياسية تارة، وأطراف شبه عسكرية تارة أخرى. المفيد أن المحاولات المكشوفة والفجة سواء كانت تدخلا في شؤون المنطقة، أو زرع عملاء، أو محاولات زعزعة متعمدة للأمن والاستقرار وللبُنى الاجتماعية والاقتصادية. وجدت من يقول لها كفى، ولكن بصورة صادقة وجادة، وفي الحقيقة أن الجانب الإيراني وبحسه الصراعي أدرك أن الحالة مرشحة للتطور إلى حالة أكثر تقدما، لا يرغب ممارستها، أو لا يقدر عليها، قد يكون الصدام العسكري أحد أشكالها. هنا وتبعا للدروس التاريخية تراجع المخرب إلى الوراء، وفي جعبته سهمان سيظل يناور بهما في المنظور القريب والمتوسط على الأقل، وهما، أولاً: الإكثار من استخدام أساليب الصراخ السياسي والتأليب الدولي والإقليمي والإسلامي على و ضد المملكة، وقيادتها، وانجازاتها. ثانيا: اختلاق مشاكل ذات بعد يتجاوز المحلية والإقليمية، للنيل من مواقف المملكة ودول المنطقة. بعبارات أخرى، الصراع مرشح كما توضح مسارات الأمور إلى الآن إلى مراحل أكثر تعقيدا. فهل ستعيد إيران ضمن حيلها، وفجاجتها السياسية والدبلوماسية أساليب الماضي التي ألفها العالم، أم ماذا؟