حسن السبع

هل يغيّر الحبُّ العالم

لهذا المقال صلة بكتابة سابقة بدأتها بعبارة للفيلسوف الفرنسي (ألان باديو): «من الضروري أن نصبح غَيْرَنا كي نحب». وقد وردت هذه العبارة في سياق حديثه مع نيقولا ترونج شريكه في تأليف كتاب (في مديح الحب). يفسر ألان باديو عبارته تلك بقوله: «إن الحب يذهب بالشخص إلى ما وراء نفسه؛ وإلى ما وراء نرجسيته». فليس من الحب أن نجعل الآخرَ نسخة منا. والذين حاولوا أن يجعلوا العالم نسخة منهم لم يحبوا سوى أنفسهم. وكانت رغبتهم منافية لنظام الوجود القائم على التعدد والاختلاف.ومع الاعجاب بقصص الأهواء الكبرى التي خلَّدها التاريخ مثل (عنترة وعبلة، وقيس وليلى، وروميو وجولييت) إلا أن ما يعنينا أكثر في هذا السياق هو الحب الذي ترك بصمات ثقافيةً وفنية. أي الحب الذي ساهم في تعمير الأرض ورقي الحضارة وازدهار الفن والأدب. يحفز على تناول هذا الموضوع مرارا وتكرارا ما يشهده العالم الآن من تدميرٍ للتراث الحضاري الإنساني ناجمٍ عن الكراهية التي تهدم ولا تبني، وتفرق ولا توحد، وتستبدل المحبة بالضغائن، والإخاء العالمي بالخصومات، والسلام بالعنف.وأياً كانت دوافع ذلك التدمير العبثي للمنجز الإنساني، فلا يوجد له سوى تفسير واحد هو العداء لكل قيمة جمالية وفنية. وأما سر ذلك العداء للفن فذلك لأن الفن كالحب نِسبيّ ولا يخضع لأي قانون أو أيديولوجيا تحدُّ من انطلاقته، وهو ما يقلق أولئك الذين تقضُّ مضاجعهم نِسبية الفن، حيث اعتادوا قضاء قيلولتهم الفكرية على وسادة خالية إلا من الإجابات. لذلك يصعب عليهم التصالح مع أي عمل إبداعي خلاَّق، فكل عمل على تلك الشاكلة هو مغامرة طموحة تخلخل المفاهيم العتيقة، وتذكّر أصحاب تلك المفاهيم بأن الوجود أكثر تعقيدا مما يظنون، ومن ثم فهو تهديد لوجود حراس الحقيقة النهائية. ولسنا بحاجة إلى استخدام الخيال لتصور النتائج المدمرة لثقافة التوحش التي طالت بمعاولها المتاحف والآثار الفنية والمدن الأثرية. وفي مقابل ذلك التوحش، وعلى النقيض منه، ساهم الحب في إعمار العالم وازدهار ثقافته وآدابه وفنونه. وفي تغيير مسار الأحداث التاريخية أحيانا. ويضرب مثلا على ذلك بافتتان القائد الروماني ماركوس أنطونيوس بكليوباترا. وبما شهده تاريخ البشرية من صروح شيدها العشاق لحبيباتهم. فقد بنى الإمبراطور الهندي شاه جاهان رائعة فنية معمارية هي (تاج محل) تخليدا لذكرى حبيبته وزوجته أرجماند. كذلك بنى رمسيس الثاني معبدَ نفرتاري. كما شيَّد الشعراء قصورا من الكلمات لسكنى ملهماتهم، وقد ألهم الحب ابن زيدون فكتب رائعته الشهيرة في ولاَّدة: "أضحى التنائي بديلا عن تلاقينا" وكرّس أراغون، أو مجنون إلزا، شعره في حب إلزا، وسار الفنانون على خطى الشعراء، فرسم دافنشي الموناليزا، بإيعاز من صديقه زوج السيدة ليزا. وتبارى الفنانون العالميون في رسم كليوباتره، وألهمت ألف ليلة وليلة الفنان الفرنسي (آنج تسييه) فرسم شهرزاد. ورسم ولاّدة الشاعرة حبيبة ابن زيدون. العالم زاخر بقصص الحب، لكن التاريخ لم يحفظ لنا سوى تلك التي كان لها تأثير في مختلف حقول الإبداع. أعود إلى عنوان هذا المقال فأسأل: هل يغير الحب العالم؟ يميل بعضهم إلى القول إن تغيير العالم من اختصاص الساسة والقادة والإداريين، ولأن المقصود هو تغيير العالم بشكل إيجابي، فإن أياً من أولئك لا يستطيع تغيير العالم إلى الأفضل ما لم تكن نفسه دافقة بالحب والشاعرية والجمال.