د. إحسان بوحليقة

اليوم الذي جعلهُ اللهُ للمسلمينَ عيداً

ليس جديدا أن نسمع أحدا يقول: كيف سيكون العيد وأحوال العرب والمسلمين لا تَسرّ؟ اللاجئون العرب أغرقوا البلدان هرباً بأرواحهم وأعراضهم وأطفالهم وحتى بأحلامهم؟ حالة الصراع والتناحر تمرّ في وجدان الجميع فتنتقص من رونق المناسبة الإسلامية الرائعة، وتَشغب على انقطاع الحجيج طاعة لربهم. والعيد ليس عيدية وحلويات وتبادل زيارات، فكلها مُفردات مترادفة لتبين تماسك الأمة وتقاربها على مستوى ارتباط الفرد باسرته، والأسرة بمجتمعها المحيط، وهكذا ليصل الأمر أن الأمة برمتها تلتقي وجدانياً لتحتفل سوياً بالعيد، لكن الواقع الراهن لا يُلوح بذلك.ما الذي نراه من معاني العيد؟ ففيما القلوب تتجه بفرح ورجاء لمكة، وتنظر لمن فاز من المسلمين بفضيلة الحج، نجد قلوباً تركت كل ذلك واتخذت من القتل والعراك باسم الإسلام مركباً! ونجد مَن ركب البحرَ مراهناً هل يصل لليابسةِ قبل أن يصله وأولاده الموت. وانقسام القلوب بهذه الصورة هو انقسام وتشظٍ في يوم العيد، أي في يوم كان حريا بكل منا أن يترك مشاغله الحياتية ويتجه للمشاركة في مناسبة فَرِحة، فترسل الرسالة الجلية لأي متربص أننا أمة ملتمة ملتئمة متماسكة، وبالقطع فالصورة الحالية داكنة وخطوط الانقسام والتنافر تناقض تلك المعاني من كل زاوية.مع قدوم هذا العيد أخذت أتمعن في عبارات المعايدة التي تقال وتردد في مثل هذه المناسبة؛ بعضها تقليدي، كرر اليوم كما سبق أن كرر لسنوات خلت، "كل عام وأنتم بخير"، وهذا لا يفقد العبارة رونقها، بل عند التمعن ستجد فيها روح الاستمرارية والعناد والثقة بالله سبحانه بأن الأمور إلى خير، وبعض العبارات كذلك معتادة لكنها قصيرة، مثل "عيدكم مبارك". وبعضها جميل رشيق يتمحور حول عظمة هذه الأيام وبركتها، مثل "أسأل الله سبحانه أن يكتب لنا في هذه الأيام المباركة مغفرة ورحمة وقبولاً ورزقاً حسناً، وأن يجعلنا جميعاً لبنة في صرح المحبة والطاعة" ولا أزال أذكر معايدة "مؤلمة" تلقيتها في العام الماضي تقول: "مع شديد الاعتذار لن أُعيد ولن أعايد في هذا العيد، تضامناً مع كل المحرومين والمفقودين والمختطفين والمشردين، ومع كل الذين لا يملكون مسكنا وملبسا ومأكلا، ومع المنتظرين عودة أبنائهم وإخوانهم وابائهم. كيف أبتسم والناس يقتل بعضها البعض، ويكفر بعضها البعض وكأنهم أخذوا وكالة عن الخالق عز وجل؟!" وما أسرع ما أتى رد على تلك العبارة المؤثرة من أحدهم: "ولابد للحياة أن تستمر".وكما تتفاوت طرق تعبيرنا وتفاعلنا بما يدور من حولنا في هذه الأيام المباركة، التي تتجسد في الحج، طاعة لله سبحانه وتعالى، كذلك تتفاوت الأفهام؛ فهناك من يرى أنها مناسبة أسرية لا تتجاوز محيطه الضيق ولا تبرحه، وإن برحته فليس بأكثر من التلهف لانتظار عودة أقاربه من الحجاج، وبالمقابل هناك من يراها مناسبة إسلامية، حلت بنا، والأمة في تفكك واختلاف، فيألم لذلك.وإن كان لمتأملٍ أن يفطن للمعاني التي يجلبها اجتماع الحجيج على صعيد واحد، لاستوعب شيئاً من مقاصد ديننا الحنيف، لاسيما في هذه الأيام التي خص الله عُبّادهُ فيها بالأجر العظيم، لينقطع كل منهم، يسعى للاستزادة من الطاعات ما دام الهدف الأعلى هو مرضاة الله سبحانه، لكننا جميعاً نشهد تقتيلاً ودماراً قد طال أمدهما، فيما تقف الأمة مفككة حلقاتها غير قادرة على مواساة جراحها وجمع ما انكسر وما أهدر، وكلٌ يشير للآخر مخطئاً في شَغَب لا يليق بالعيد، بل لا يليق أن يحدث بين المسلمين في أيامٍ يُجلّونَها.لكن المؤمن مبتلى وقد يبتلى بما يكره، فمن جَرّب الحرب ممن تقدم من العرب، حتى قبل الإسلام، وصفوا ألمها وأفاعيلها، وبينوا كذلك إلى ما تنتهي إليه عادة. وتختلف الحروب في أسبابها وبواعثها. هذا ما نشاهده في الجبهات المشتعلة من حولنا على تنوع مسبباتها وأطرافها. ماذا يعني كل هذا؟ يعني الكثير من الألم، ووسط المآسي تخرج لنا معان عميقة، انه مخطئ من يَسعد بالقتل والعنف بين الإخوة. أدرك أن العاقل الصبور قد يُضطر للحرب اضطراراً وليس اختياراً، فيُقدم عليها متهيباً، فهي تبقى في كل حالاتها وأحوالها كما وصفتها العربُ قديماً "شمطاء"، ينطبق عليها قول امرئ القيس:"شمطاء يُنكر لونها وتغيرت--مكروهة للشــم والتقبيــل".هي كريهة وإن كانت لزاماً لا فكاك منها، وبمثابة آخر العلاج الكي. وهكذا يبزغ الأمل، بأن: ما بعد الحرب إلا السلم، وأن يجعل الله الخير في القادم من الأيام، وأيامكم أعياداً وسعادة، وأن يديم على بلادنا الأمن والأمان والحُب والوئام، وأن يجعلنا دائماً منصورين بالحق منتصرين له.