حسن السبع

النظر عَبْر «مَوْشُورات» مشوَّهة

يقال: «من الضروري أن نصبح غيْرَنا كي نحب». ولكي يتحقق ذلك، لا بد أن نضع أنفسنا في محل الآخر. أي أن تكون الذات هي الآخر. وهذا ما لا يفهمه أولئك الذين يريدون أن يروا العالم انعكاسا لصورتهم، أو صورة كربونية منهم. وكانت النتيجة أن «كَرْبَنوا» أجواءَ العالم النقية بما بثّوه من نعرات وعصبيات.كثيرون هم الذين يحاضرون عن المحبة، مع أنهم يدورون خارج جاذبيتها. لأن المحبة التي تصدح بها حناجرهم هي محبة ذواتهم، ومحبة المنصهرين في تلك الذوات. فإذا كان الفرد خارج تلك الدائرة الضيقة، فهو ليس مشمولا بذلك الامتياز. وكونه ليس مشمولا به لا يعني النظر إليه نظرةً موضوعية محايدة. ذلك أن أصحاب ذلك التوجه لا يعرفون غير لونين لا ثالث لهما، هما: الأبيض والأسود. وكل ما يصدر عن الآخر المختلف فهو موضع شك، ومرفوض جملة وتفصيلا.لا سبيل إلى التقارب وقبول الآخر دون فهم «من يعرف كثيرا يغفر كثيرا»، هذا ما يقوله الأخفش، ربما في سياق آخر مختلف، لكنه يصلح شاهدا في هذا السياق أيضا. ومعنى هذا أن بين دعاة الانغلاق وبين الفهم مسافات حزينة. لذلك تجد أن أشدَّهم غلوّاً في الحثّ على بناء جدران العزلة هم أقل الناس فهماً، وإن تمترسوا خلف الألقاب العلمية الرنَّانة.لسنا مجبرين على الدخول في صميم عواطف الأجناس المختلفة عنا في اللون والعرق والهوية وبقية الاختلافات الأخرى، يكفي فقط الإصغاء إلى صوت الآخر المختلف. لذلك يطرح أمين معلوف في كتابه (اختلال العالم) السؤال التالي: «هل هذه الشعوب المتعددة الأصول التي تعيش جنبا إلى جنب في جميع البلدان وجميع المدن ستظل زمانا طويلا تنظر إلى بعضها بعضا من خلال مَوْشُوراتٍ مشوَّهة، وبضعة أفكارٍ موروثة، وأحكام مسبقة قديمة العهد، وبضعة تصورات ساذجة؟». يرى معلوف أن العالم شبيه بالمركب، وأننا جميعا نبحر في مركب واحد. لذلك يقترح تغييرَ عاداتنا وأولوياتنا؛ كي نصغي إلى صوت العالم الذي نبحر على متنه.ولم يكن الكاتب الفرنسي جيل لابوج مبالغا في تصويره للشوفينية والعنصرية ومشتقاتهما وهي تطال بالتحيز الفواكه والخضار المنتَجَة في حيز جغرافي مختلف الثقافة والأيديولوجيا. لا توجد في الأمر أية مبالغة. وقد أفرز الواقع مضحكات مبكيات مشابهة هنا وهناك. ويبدو أن التخلص من تلك الرواسب الثقافية والتربوية أمر في غاية الصعوبة.يذهب لابوج بالسخرية إلى أقصاها وهو يصور حالة الاستلاب التي يعيشها المرء بحكم نشأته، فيقول: «يتوجب عليّ كبغل يحمل سلالا لم يخترها أن أقوم برحلتي حاملا هذه الرموز التي لا أهمية لها.. وما من شيء أكثر انتهاكا للمرء وإرادته من المصادفة التي جعلته يولد عند هذا النهر أو هنالك عند البيرنيه». (البيرنيه: سلسلة جبلية بين فرنسا وإسبانيا وتمثل الحدود الطبيعية بينهما). كلنا نحمل تلك «السلال» بحكم النشأة والبيئة، ومع ذلك نُقيّم العالم ونحاكم قِيَمَه وثقافاته انطلاقا من تلك الرموز التي تمَّ تلقيننا إياها.ومعنى هذا أنه غالبا ما تكون مواقف المرء وأحكامه على الآخر المختلف وليدة التربية والثقافة المحيطة به، وليست وليدة إرادة حرة، أو تفكير مستقل. لقد تمَّ تلقينه منذ نعومة أظافره أنه الأنقى دماً والأطيب مَنْبَتاً، وأن الشمس لا تشرق صباحا إلا لتستمتع بطلعته البهية. وتلك بعض الرواسب التربوية التي تحول دون الإصغاء لصوت الشركاء الذين يبحرون معنا على متن مركب واحد.