خرط القتاد.. وقلعة وادرين
تحرك العقل العربي قديمًا وحديثًا بعض العوامل المرتبطة بالثقافة المحلية المتوارثة؛ وهي عوامل في جوانب منها تمس بعض اليقينيات، التي يسلّم بها دون مراجعة أو شكوك. ومن تلك العوامل ما يربط به العربي الأمور غير المعتادة بكونها من المستحيلات (وليس من القضايا الصعبة أو الشاقة كما تصورها ثقافات أخرى)؛ ففي الحالات التي لم تعهدها الثقافة العربية، أو ليست جارية في الحياة اليومية، توصف إطلاقاً بتلك الأوصاف، في عبارات متعددة بعضها أخذ مأخذ الأمثال، مثلما هي الحال في عبارة: "دونه خَرْط القتاد". ما دلالات هذا المثل؟ وما مدى صعوبة تحقيق ذلك الحدث في الواقع؟ إذا علمنا أن "الخرط" يعني استلال الشيء باليد دفعة واحدة؛ وإذا أدركنا أن شجر "القتاد" يعد من الأشجار الكثيفة الشوك، فإن ذلك يعني أن هذا الأمر يصبح مستحيلاً أن يُقدم عليه شخص عاقل. ومع كون الأمر مضرب المثل بعيد المنال، حيث يكون تحقيق ذلك الحدث (خرط القتاد) أقرب من إمكان حدوثه، فهذا يعني أنه من الأشياء المستحيلة.وفي العصر الحديث نجد تعبيرات مماثلة تؤدي الغرض نفسه، مثل: "هذا من رابع المستحيلات"، مما يعني أن هناك مستحيلات ثلاثة تسبق أيضاً درجة هذه الصعوبة. كما نشأت أمثال محلية في شبه الجزيرة العربية تشير إلى الشيء البعيد، وغير المعروف مكانه، بأنه "في قلعة وادرين". ورغم الاختلافات مؤخراً في تحديد مكان هذه القلعة "العثمانية"، كما تشير بعض التحليلات التاريخية، أو أنها تصحيف لمواقع قديمة كانت محفوفة بالمخاطر؛ فإن الغرض التداولي من ذلك الاستخدام هو تبيين البعد المفرط للمكان المتحدَث عنه. بالإضافة إلى اشتقاق بعض الاستخدامات الأخرى في ظروف متصلة بالرغبة في الافتراق عن شخص أو مجموعة معينة؛ فيقال: "في القلعة" (ليس المبنى، بل اسم من الفعل "انقلع")، أو: "في قلعة وادرين" (للتعبير عن الفرحة بابتعاد المعنيين بالأمر).لكن ألا تؤثر مثل هذه التعبيرات على أصحاب الثقافة العربية، ليصيبهم الإحباط من إمكان تحقيق أهدافهم، إذا كانت المبالغات في تصوير الصعوبات، وبعد الأشياء والمآلات عن أن يمكن للأفراد الوصول إليها في الأحوال الطبيعية، أو بوجود الهمة والرغبة في تحقيق الهدف؟في الواقع أن ذلك هو ما يحدث، فنجد الشباب العربي -في الغالب- مستسلماً وغير واثق من أن طموحاته الفردية والمجتمعية شرعية وقابلة للتحقق. بل إنه حتى في الأمور البسيطة من الأشياء التي يرغب المرء في أن يُخدم فيها مع بعض المبالغات أحياناً؛ سواء كان ذلك في الأمور الحسية بالمنزل أو في حالات السفر في المطارات، حيث يتميز العربي بالرغبة في الحصول على خدمة حمل الحقائب حتى وإن كانت معقولة الحجم، أو دفع عربة التسوق ونقل ما فيها إلى السيارة وغير ذلك من الخدمات، التي تعبر عن استصعاب المتشبعين بالثقافة العربية لتلك الممارسات المعتادة في كل بلاد الدنيا.وقد تبارت وسائل الإعلان في محاولة الاستفادة من تلك الأنماط في التفكير بالتركيز على عبارات مثل: «اشتر راحة بالك!»، أو تلك العبارة المقيتة: «أخي الشاب لا تفكر، ودعنا نفكر عنك!». وقد ظهرت آثار هذا العجز عن التفكير في بعض وسائل الإعلام، عندما يشترك بعض المتصلين من الشباب على برامج المسابقات، التي تطرح أسئلة بسيطة في حالات كثيرة؛ ومع ذلك نجد عدداً من المتصلين يتساءل: ما فيه خيارات؟ الأمر محزن لمن يفكر في مستقبل التطورات الممكنة لتلك العقلية، عندما تكون مضطرة للتعامل مع صعوبات الحياة كما ينبغي، وهو سيأتي يوما ما!