مبتعثون وغير مبتعثين هتفوا للملك
على شارع "إم" عند فندق الفورسيزون، حيث أقام الملك سلمان - يحفظه الله -، اصطف مئات من السعوديين الشباب يهتفون "شكراً سلمان"، كانت تلك اللحظة الأولى التي أعرف فيها أن أمراً للملك صدر بضم من يدرسون على حسابهم لبرنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث، بعدها بدقائق عديدة غادر الملك مقر اقامته منهيا زيارته للولايات المتحدة فاشتد الهتاف. كنت أدقق في سحنات الشباب والفتيات، الذين أتوا من كل جنبات أمريكا ومن كل أقاليم وطننا، ليهتفوا للملك، مبتعثين وغير مبتعثين. أما غير المبتعثين فقد غادروا سعيدين أن أصدرَ قرار ضمهم للبعثة بما سيمنح كلاً منهم أملاً جديداً، وسيرفع عن كثير منهم أعباء مادية لا طاقة لهم بها، فكلنا يُدرك التكاليف الباهظة للدراسة في الجامعات الأمريكية، ولا سيما المرموقة منها.عدت أدراجي للفندق حيث أنزل، سالكاً شارع "إم" ماشياً، نتيجة للازدحام الشديد، وسعيداً بأن الرغبة في التحصيل العلمي جلبت جمعاً كبيراً من شباب الوطن لواشنطن، منهم من ابتعثتهم الدولة ومنهم من لم تبتعثهم، لكنهم جميعاً اصطفوا منتظرين خروج الملك ليودعوه بعد أن أنهى زيارته الرسمية لواشنطن.في صبيحة اليوم التالي كنت أتحدث مع اثنين من المبتعثين، فسألتهم عن رأيهم في القرار الذي صدر للتو، فأجابا بدون تردد انه جميل لكن ليس واضحاً ما هي الضوابط والشروط التي ستطبق، والتي قد تَحرم شريحة كبيرة من الدارسين على حسابهم من الانضمام للبعثة، ومن الشروط عدد الساعات المكتسبة التي يجب ألا تقل عن 30 ساعة معتمدة، وكذلك بالنسبة للمرافق ألا يقل ما أكمله (أو ما أكملته) من ساعات عن 75 بالمائة من الساعات المطلوبة للدرجة العلمية، وكذلك شرط عدم ترقية البعثة لدرجة أعلى ان أنهى المبتعث دراساته الجامعية، وسواها من الشروط!.ما أن وصلت للبلاد، وأنا أشرع في تفريغ حقائبي، لأجد نفسي مشاهداً برنامج الثامنة للإعلامي داوود الشريان متحدثاً عن الموضوع ذاته، القرار الملكي بضم المبتعثين على حسابهم في الولايات المتحدة الأمريكية. فتركت ما أنا فيه وأخذت أتابع ما يقوله ضيوف البرنامج. بهرني الشاب الذي عمل 11 عاماً، وأخذ "تحويشة العمر" كما قال، قاصداً الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة الفندقة، مطمئناً النفس انه سيُضم خلال أربعة أشهر، لكن الأمد طال عليه واستنفد ما كان لدى الشاب من مال، فأضطر للعودة لا سيما أن لديه زوجة وأطفالا. واستمعت لآخر قُطعت عنه البعثة لأنه درس تخصصاً يختلف عما اُبتعث لدراسته، ظننت أنه دَرَسَ تخصصاً لا صلة له بسوق العمل السعودي كالفلسفة أو تاريخ أمريكا الجنوبية، لأتفاجأ أن الشاب دراس أحد التخصصات الصحية! في بلادنا هات أي تخصص صحي، أي تخصص صحي، نحن نعتمد بنحو يزيد عن 80 بالمائة على الموارد البشرية الوافدة في كل التخصصات الصحية جملة وتفصيلاً! فلم أفهم لما يُحرم! ممكن أن يُخَالف كأن يخصم من مكافأته الشهرية لعدم انصياعه، أما أن يُحرم فهذا ما لا مبرر له، لا سيما أن التخصص الذي انتقل له مطلوب في السوق السعودية.أصدر الملك - يرعاه الله - القرار بضم الدارسين على حسابهم، ويبدو أن الشرط الوحيد الذي على وزارة التعليم تقييد استفادة الدارسين من الأمر الملكي الكريم هو المستوى الأكاديمي للجامعة التي يدرس فيها الطالب، فإن كانت من ضمن الجامعات المعتمدة فيقبل الطالب وتشرع له أبواب الابتعاث. فاللفتة الأبوية للملك حانية وكريمة، فلا بد أن تسود تلك الروح الأبوية للقرار عند تطبيقه وتنفيذه، فتطبيق الاشتراطات المعتادة ستبقي آلافاً من الدارسين في الجامعات الأمريكية على حسابهم خارج دائرة الاستفادة، وداخل دائرة المعاناة والمكابدة، بل إن البعض قد يختزن في داخله أن الوزارة تُمارس تشدداً لم يأت به القرار الملكي.نُدرك جميعاً أن التوجه القوي للبلاد لتنويع الاقتصاد المحلي يرتكز في الأساس على توفير موارد بشرية مؤهلة وقادرة، ولن نجد أفضل من شباب الوطن، ولا سيما ممن أخذهم الحماس لخدمته لأخذ زمام المغامرة للذهاب لأفضل الجامعات، طموحاً ليس لأنفسهم فقط بل إمعاناً في تمكين أنفسهم من تقديم الأفضل لوطنهم عند عودتهم. وبالقطع، فإن الوطن بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، متلهف للاستفادة من كل مواطن ليصبح بانياً متحفزاً لتقديم الأفضل للوطن ولأهله. وكم يسعد الوطن أن أبناءه يركبون الصعب لإعداد أنفسهم بعلمٍ ينفع، ليحظوا عن جدارة بشرف خدمته وليذكروا دائماً أنه أخذ دوماً بأيديهم لما هو أفضل وأنفع لعمارة الأرض والانسان.