عيسى الجوكم

«جحفلة» الانكسار.. و«سندنة» العواطف

الحياة اقدام واحجام، ومنها ولد الصراع بين الأمل والألم، بين النجاح والفشل، بين الحنان والقسوة، ولو لم تكن هناك أضداد لأصبحنا نجهل الكثير من الأمور، فلولا الظلام لما تعرفنا على النور، ولولا الشقاء لما نشدنا السعادة. لغة الصراع تبدو للوهلة الأولى مخيفة، لكن في جوهرها تحمل اللذة، فهي تتمثل في لغة التحدي، التحدي مع النفس، مع الزمن، تحد قد يدفع بنا للقمة، لكننا نحتاج لتعلم أبجديات هذا الصراع حتى تكون انطلاقتنا قوية ومبنية على أسس متينة. في كل يوم جديد نركض في فجره ووسطه وآخره خلف الأمل رغم اعتراضات محطات اليأس على عتبات الطريق، نقاوم ونسقط في بعض الأحيان، لكن وقود الأمل ينهض بنا مرة أخرى، واليأس يتدخل لتشتعل خطى الأمل والألم في دروبنا نكسب مرات بالأمل. ونخسر أخرى بالألم، ومع ذلك نواصل المسير. في كل يوم جديد يطل علينا ضباب الأحزان جراء امتداد جنوح الليل، يلف هذا الضباب تلافيف وجداننا بالغيوم، لتغيب عنا مدارات الشموس المحملة بالأمنيات مع خيوط الفجر. ضباب الحزن يبعدنا عن شواطئ الأمان، لنبدأ رحلة الصراع بحثا عن الدفء، نحاول التعلق بأشعة الشمس لينثر الضوء فرحه في ذواتنا، (ويجحفل) لحظات الانكسار، لنطوي كتاب الدموع بأحرف مكتوبة بريشة الضحكات والابتسامات، حتى لو تلقى مرمى قلوبنا هدف جحفلي غير فيها أمزجتنا من فرح عارم إلى حزن قاتم. نخسر مرات عديدة في محطات العمر، رغم أننا قدمنا الكلمة الصادقة والنية الصافية والعواطف الجياشة، لكن «سيدني» المدنية الخلابة بجمالها لم تمنحنا الفرح والسعادة وأدارت ظهرها لمن قدم لها مهر الفرح، فكانت لقلوبنا أشبه بالمثل القائل (جزاء سنمار). في كل يوم جديد نرسم ملامح العمر نمتطي صهوة جوادنا لبلوغ مدائن السعادة، لكننا نصطدم بإقلاع التعاسة في سمائنا، نحاول تسلق الأسوار، نقع لكننا نقاوم، ونرفض الاستسلام رغم القوة الجارفة لمن يريد إخضاعنا في الحياة لبحر من الأحزان بصافرة ظالمة بقصد أو بدون قصد. المعركة بين الصعود والهبوط تحتدم، وبإرادتنا القوية ننتصر ونفتح تلك القلاع، وتفتح لنا مدائن السعادة أبوابها.. فما أحلى العيش في واحة خضراء بعد المكوث في أرض قاحلة، فلو كانت دروبنا منذ البداية حتى النهاية في نهر من السعادة لما كانت للحياة لذة ومتعة. في كل يوم جديد نحلم ونندم على أشياء كثيرة أضعناها وكانت في متناول أيدينا، لكننا لم نقدرها ولم نعطها حقها، وعندما وصلت لغيرنا تحسفنا عليها، فعندما كان (المؤشر) أحمر تخلى عنه محبوه، وعندما تحول للأخضر نعدم عليه كل من باعه أبان (الأزمة)، هل عرفتم كيف نفقد (مؤشر) الحياة عندما نتخذ القرارات تحت وطأة الإهمال. في كل يوم جديد نستعيد صدى الذكريات المؤلمة التي تفرض علينا ايقاعا مؤلما في مشوار الحياة، لكننا نتذكر أيضا أن الفشل هو أولى خطوات النجاح، فهو الوقود الحقيقي لاعتلاء منصات الطموح، وأكثر الناجحين في الحياة تعرضوا لهزات عنيفة من الإحباط في بداية مشوارهم لكنهم اتخذوا من لغة الصراع مبدأ الوصول إلى القمة.. ترى لو انهم لم يفشلوا في البدايات هل كان بمقدورهم الوصول الى ما وصلوا اليه؟. ألم أقل لكم ان لغة الصراع لذيذة في جوهرها. فلولا الشقاء والتعاسة لما كانت هناك سعادة.