البطالة ظاهرة «طويلة الأجل»
وصف تقرير صندوق النقد العربي «بطالة الشباب في الدول العربية» -والذي قلما يصدر مثل هذه التقارير- بأنها «تتسم بكونها ظاهرة طويلة الأجل في بعض الدول»، ووفقاً لهذه المقولة الصادقة فالتقرير لم يأت بجديد إلا من حيث النسب المنشورة سلفاً من مصادرها مع معرفتنا بالأسباب والحلول أيضاً، ويبقى التقرير أحد التنظيرات التي توضع على الرفوف ولا يأخذ به واقعاً.نسبة البطالة في دولنا العربية تعد الأعلى عالمياً، ذكرتها في مقال سابق تطرق إلى هذه المشكلة «الظاهرة» بحسب التقرير، المشكلة تكمن ليس في نسب البطالة وإنما في كونها «طويلة الأجل» فذلك مؤشر على أن هذه المشكلة لا تُعالج بشكل جدي وجذري.بحسب التقرير فإن نسبة البطالة استقرت على ارتفاعها، وأجل كان هناك نمو حقيقي خلال الفترة (2000-2014) سببته حركة الإصلاحات وتحرر الأسواق العربية ومشاريع التنمية والنمو الاقتصادي، وإن قُدرت نسبة النمو بـ 5 بالمائة وهي نسبة بسيطة، ولكنها كانت كفيلة بتحريك الاسواق العربية وإنعاشها.في الفترة (2003-2009) -وهي ما أسميها أيام الطفرة والوفرة المالية- اتجهت نسبة البطالة السنوية إلى الانخفاض بنحو 0.8 بالمائة وزادت نسبة الانخفاض في 2009 لتصل 23.5 بالمائة، وفي العام 2010 بدأت اعداد العاطلين العرب بالصعود تدريجياً، وارتفعت نسبة البطالة التي سجلتها منظمة العمل الدولية ذلك العام بنحو 1.1 مئوية كانت بداية الارتفاع الذي بلغ في العام 2011 نحو 3.4 بالمائة وهي النسبة الأعلى على اثر تراكمات الأزمة المالية والأوضاع الداخلية العربية حينذاك.المشكلة الحقيقة من كل ذلك أن البطالة لا تقتصر على الرقم والنسبة بل على نوعية العمل كذلك وتحقيق «العمل اللائق» الذي طالما نادت به منظمة العمل الدولية. للأسف ليس لدينا تقارير حقيقية تشير إلى نسبة العاملين في وظائف تختلف عن مؤهلهم، ولكن هناك الكثير من العاملين من ذوي المؤهلات والشهادات وفي القطاعين يعملون في وظائف بعيدة كل البعد عن مؤهلاتهم الدراسية، ليس مشكلة في حد ذاتها حين تحصل على عمل بعيد عن شهادتك على أن تجيده -وإن كنت أرى بها بعض الإشكالية- ولكن أن يبقى العامل يمارس عملا ليس بمستواه، فلا يحبه من جهة ولا يجيده من جهة أخرى وفوق كل ذلك لم يستعد له في كل الأحوال، هذه هي المشكلة، فلم يتم تأهيله أو تدريبه بالطريقة الصحيحة ولا يعمل في بيئة عمل مشجعة أصلا.هناك الكثير من حملة الشهادات التربوية مثلا، ممن يعملون في قطاع الضيافة والمطاعم والقطاعات الخدمية وهم يظنون أن الفرصة لا تزال سانحة للحصول على عمل يليق بمؤهلاتهم الدراسية، فيعيشون سنين لا يرضون عن أنفسهم ولا يعترفون بعملهم، ما يعطيهم إحساس العاطلين وبعضهم يفقد الكفاءة لتتحول لظاهرة «عدم الاستقرار».