د. عبدالوهاب بن سعيد القحطاني

ثقافة «الدافور»

اصبحت ثقافة الدافور بين جيل الشباب في المرحلتين الدراسيتين المتوسطة والثانوية من الجنسين مقترنة بالاجتهاد والتحصيل العلمي والحرص على الانضباط والتميز في المدرسة، حيث يطلق الطلاب على الطالب المثابر «الدافور» من باب السخرية والعيب مما يجعل المجتهد يحاول إخفاء تحصيله وحرصه على العلم حتى لا يوصف بالدافور. والبعض من الطلاب المجتهدين لا يظهرون حرصهم على التحصيل العلمي واكتساب المعرفة خوفاً من العين لأن الدافور تعني شيئاً يحسد عليه الطالب بالرغم من أنه ينظر اليه بسخرية. وعندما يضرب المدرس المثل بطالب مثابر ومجتهد ومتميز يعلق زملاؤه على ذلك بأنه «دافور» يا أستاذ. اندثرت ثقافة العيب في الإخفاق الدراسي وحلت محلها ثقافة السخرية من الطالب المجتهد المثابر «ثقافة الدافور».ولقد كان الطلاب في وقت قريب يشعرون بالعيب إذا اخفقوا في دراستهم لأن هذا الشعور من سمات المسلم قبل أن يكون من سمات غيره. عندما كنت في معهد اللغة الانجليزية في الولايات المتحدة غاب زميلي السيد ياماساهارو الذي كان مولعاً بمغامرات عديدة مثل تسلق الجبال الشاهقة في سن ناهز الستين. وعندما سألت احد الطلاب اليابانيين عنه قال إنه في المنزل حزين على فقد ابن قريبه الذي مات في اليابان بسبب العيب لأنه لم يحصل على قبول لدراسة القانون في جامعة طوكيو، حيث صعد إلى أعلى عمارة في الجامعة والقى بنفسه منها ليلقى حتفه. بالطبع هذا انتحاري لا يقره ديننا الحنيف، لكن ليس هذا المغزى من سرد هذه القصة. المغزى منها مقارنة ما يحدث عندنا اليوم في مجتمعنا من قبول لثقافة الفشل على مستوى الطلاب في تحقيق الاهداف المنشودة بما يحدث في المجتمع الياباني الذي تتميز قيمه بثقافة العيب من الفشل. يقول أحد أبنائي: إن الطلاب يعيرون زميلهم بكلمة «دافور» من كثرة دراسته. يا للسخرية أصبح الإنسان الناجح والمنتج منبوذاً بينما الفاشل المتردي تعتلي وجهه ابتسامات الفرحة لأنه لا ينتمي لفئة الدوافير حسب رأي بعض الشباب الفاشلين.لقد كانت ثقافة الشعور بالعيب في حال الفشل موجودة بين العرب، حيث يقول الواحد منهم في حال الفشل كيف يكون وجهي لدى جماعتي، لكن هذه الثقافة بدأت تتلاشى وتختفي بين غالبية الشباب لأسباب يجب دراستها من الناحية السلوكية والاجتماعية. أنا لا أدعو الفاشلين إلى الانتحار وانما أقول لهم ألا تشعرون بالعيب والخجل عندما تفشلون في تحقيق اهدافكم لأسباب تعود لكم بينما لديكم القدرة على التحكم فيها وتغييرها. كنا أمة العلم، لكننا تحولنا عنه، حيث لا نخجل مما نحن عليه الآن من تخاذل وانتاجية ضعيفة بكل المقاييس. الآباء والأمهات يحاولون ايجاد المبررات الواهية لفشل ابنائهم وبناتهم، بل يعزون فشلهم لمدارسهم ومدرسيهم ومدرساتهم. ويا ويل المدرس والمدرسة من فئة شبابية لا تعرف العيب، حيث تصب غضبها عليهم بالاعتداء الجسدي بدلاً من الاحترام والتقدير. رأيت تلميذاً ومعلماً يابانيين يركعان لبعضهما من شدة الاحترام فزاد احترامي لثقافتهما بالرغم من أن الركوع لله سبحانه وتعالى. لا نريد الركوع من فلذات اكبادنا لمعلميهم ومعلماتهم وإنما القيام احتراماً لهم عند دخولهم وخروجهم من الفصل الدراسي. الخلاصة أنه لا يمكن لأمة أن تحتل مركزاً مرموقاً بين الأمم الأخرى إذا فقدت ثقافة الشعور بالعيب والخجل من فشلها. ولا بد من تغيير سلوك الطلاب إيجاباً لحب العلم واحترام المثابرين والاقتداء بهم. ثقافة الدافور غير تحفيزية ولا يستحق من يستخدمها التقدير والاحترام.