أولويات معاليه..!!
قد يأتيه خبر تعيينه في لحظة من اللحظات.. وهو الذي حين كان خارج تلك الجهة يحمل كثيرا من النقد، والطرح، والأفكار، والرؤى، والمقترحات لوزارته. وسابقا تجده في كل مجلس يرصد مشكلاتها، وأخطاءها، وإجراءاتها، ويضع بعض الحلول والمعالجات، ويجادل في أولويات مختلفة، واهتمامات متعددة. ويقول: سأفعل وسأغيّر، وأبدّل كذا وكذا لو كنت المسؤول الأول.وحين يستلم زمام مهمته، ويجلس خلف مكتبه الوثير، وتتزاحم الأسماء، ويحتشد الأشخاص، وتتراكم الأوراق، وتكثر المهمات، وتتكاثف الالتزامات، تبحث عن ذاك الناقد المترقب المتمني الذي سيحل كل المعضلات، ويعالج كل المشكلات لا تجده. لماذا؟ لأنه إما أنه أتى بأولويات لا تتماشى وواقع إدارته والمستفيدين منها، أو أنه أتى بلا أولويات معينة.هنا تكمن المشكلة، فكثير من المسؤولين والوزراء ممن يأتي لبرجه في دائرته يذهب بعيدا بأولوياته فتحضر سياسة "النسف" لأولويات من كان قبله، ولا يبالي بالمترتبات، ولا يهتم بالتوابع، ولا يكترث بالخسائر؛ لأنه إن كان "لكل شيخ طريقة" فلكل وزير أولوية.. من هنا تختل الوزارة كلها، حيث تتبدل المهمات، وتتغير الإجراءات، وتنشط أنظمة وتتعطل أنظمة، ويحاول هو تقديم أولوياته كمشروع له يضعه على منصة الإبهار أمام القيادة.. وكأن الدائرة تبدأ من جديد.فالمسؤول أو الوزير الجديد لا يجد خطا لسير العمليات بل يجد انه من السهل نقض كثير من الأمور في وزارته، وتقديم أو تأخير كثير منها؛ لذلك نجد ان إنتاجية الوزارات خصوصا الخدمية بطيئة، ومتلكئة، وبليدة، فلا يشعر المواطن بأي تغيير يحدث، وإن شَعر بأمر ما فهو قد يشعر بأمر كان فقطع، أو أمر مقطوع فكان.وتأملوا مثلا ما يحدث في وزارت أو جهات مختلفة.. وتمعنوا في حال وزراء سابقين أو حاليين أو لاحقين، ستجدون بعضهم ما سيكون له خططه واستراتيجياته المختلفة، وبالطبع هذا حقه، لكن لماذا لا يتم تطبيق فلسفة وسياسة "الخط المستقيم"؟ وأقصد هنا أن تكون لكل وزارة خطط شاملة واستراتيجيات كاملة ترتبط بالوزارة والجهة وليس الوزير.. يضعها مجلس التنمية والاقتصاد، فيكون دور الوزير منفذا لجزء ما أثناء مدة وزارته، ويأتي الذي بعده ويكمل المسيرة بجزء آخر في نفس الخط دون نسف ولا تغيير. ويهتم الوزير بابتكار وإدارة الخطط والبرامج والأنظمة التي تعين على تنفيذ السياسة العامة للوزارة.في الصحة مثلا، هناك عدد ضخم من الملفات. لماذا لا توضع تلك الملفات في سياسة عليا للوزارة ينفذها الوزير كأولوية؟ فلا يقدم ولا يؤخر بل يسهم في تنفيذ الجزء المنوط به. مثلا كان الحزام الطبي أولوية لوزير سابق أتى وزير آخر وركّز على أولوية أخرى، فاهتم بنظام الأخطاء الطبية وإنشاء المدن الطبية، فيأتي الذي بعده ويكرس عقله وخططه لتبني أولويات أخرى مخالفة تماما لمن سبقه.. "طيب ماذا تمّ فيما سبق؟. لا إجابة".فلماذا لا تكون كل تلك الملفات موضوعة ومرتباً لها وملزمة لكل وزير بأن يشتغل عليها بالجزء والزمن الذي يقضيه في الوزارة، فيأتي الذي بعده ويكمل جزءه وهكذا.. ومثل ذلك في التعليم، فهناك من اهتم بالتطوير الشامل والآخر ببناء المدارس وغيره بالتقنية والثاني بالتوظيف، كل ذلك أفترض أن يكون ضمن سياسة واضحة المعالم "تمثل أولويات ملزمة" لكل وزير يأتي، فعليه الاهتمام بكل ملف وأولوية في ذلك ويقدم جهده لإتمام ما توجب عليه.اختلال الأولويات جعل الوزارات والمؤسسات لا تتفهم أولويات المواطن الذي يحمل بدوره همه وأولوياته الخاصة به، وجعل المواطن يضع معيار نجاح الوزارة والوزير من عدمه هو تنفيذ مطالبه الخاصة وبأسرع وقت حتى لو اختلفت مع معايير وأولويات مواطن آخر، فالبعض يريد سكنا بسهولة ولا يهمه التنظيم أو الضبط، والوزارة تعقّد وتطول أمورها بسبب هذا المبرر فيحدث عدم الرضا بين الطرفين.ختام القول: حين يكون سير العمليات، وتنظيم الأولويات، وترتيب الملفات العادية وغير الطارئة بأسلوب الخط المستقيم الذي يفرض ويقنن، لن يتنازع المواطن مع الوزارة في الأولويات؛ لأنه يدرك أن هناك اولويات ثابتة وراسخة نظاميا وسياسة "تمشي" عليها الوزارة والوزير يعمل عليها، سواء هو أو غيره إن رحل، مما يشكل حالة اطمئنان تامة لدى المواطن المستفيد المرتبك والمترقب لمصالحه أن الحلول باتت قريبة.. وأن المنجز اقترب تحقيقه.