حتى لا يذهب حديث وزير التعليم مع الريح
العملية التعليمية متكاملة وترتكز الى أساس تربوي هو عين ذلك التكامل، بين البيت والسلطة الابوية فيه، والمدرسة والسلطة التوجيهية فيها، والمناهج بما تغرسه من معرفة قابلة للتطور والتطوير في ذات الطلاب، ومعلم يواكب نمو قدرات هؤلاء الطلاب وحسن خلقهم والتأكد والتحقق من مسايرتهم للقيم والأخلاق الإنسانية والدينية والاجتماعية، وحين تتصل هذه الحلقة وتنجز أدوارها على الوجه الأكمل فمن الطبيعي أن نحصد قاعدة اجتماعية وتنموية صلبة وصاعدة.وزير التعليم الدكتور عزام الدخيل، طالب مؤخرا المدارس والجامعات بتوفير بيئات خصبة تلبي تطلعات الأبناء والبنات، وتكون أكثر قدرة على تقديم المعرفة وتوليدها، وأكد أن الوزارة تسعى إلى توفير سبل المعرفة، فمؤسسات التعليم العام تمتلك مقومات عظيمة لأداء مهمتها، والتعليم الجامعي كذلك يستند إلى بنية تحتية متطورة، وتعتمد منظومةً من مراكز البحث والتطوير لتكوّن محاضن المعرفة والإبداع وصناعة الأعمال، فتغدو جامعات منتجة ومستثمرة في مخرجاتها المعرفية، ومولدة للفرص في سوق العمل.المعرفة الحديثة تقوم على أصالة المنهج التربوي وتعزيزه لدى الناشئة والأجيال المختلفة، وحتى لا يصبح كلام الوزير استهلاكا وخطابا فضفاضا يمكن نسيانه، ينبغي أن تجتهد الوزيرة في تطبيقه فيما يتعلق بالبيئة المعرفية الخصبة، وإن جعل ذلك محور فترة وزارته فقد كفى وأوفى لأن العالم الحديث يتجه الى منظومات معرفية متطورة في مقدمتها الاقتصاد المعرفي الذي لا يعني بالضرورة، في تقديري، جوانب اقتصادية بحتة وإنما ثقافة شاملة لتدبير شؤون الحياة ونشر الثقافة المعرفية في جميع التفاصيل.المستقبل لا يمكن بناؤه دون عمق معرفي وذلك لا يحدث في غياب الدور المدرسي وهو البيئة الخصبة التي أشار اليها الوزير، ولذلك ما من خيار استراتيجي لوزارة التعليم سوى توفير تلك البيئة الخصبة على أسس ومرجعية علمية تأخذ الأنماط العصرية للمعرفة في التدريس ومناهجه وطرقه، على أن يكتسب المعلمون ثقافة وخبرات جديدة تستدعي علم النفس التربوي ومستجداته والطرق التقنية في الممارسة التعليمية والعلمية، فهناك قطاعات واسعة من المعلمين ينتهي بهم قطار العلم عند محطة الوظيفة وكأنها الغاية النهائية لمسيرته التعليمية، وذلك للأسف يجعله متجمدا وروتينيا في تدريسه.من الأهمية بمكان أن يجد المعلمون مساحات واسعة الى جانب أدوارهم التعليمية لمواصلة اكتساب الجديد في المعرفة والوقوف على خبرات الآخرين، الى جانب استعادة الدور الملحمي بين البيت والمدرسة لأن المعرفة تضيع في المسافة بين هذين المكونين البيئيين طالما أننا نتحدث عن توفير بيئة خصبة واسعة تستوعب كل مقومات فكرة التكاملية التعليمية، ويمكن للتربية أن تكون ذاتية بحيث يعتني الطالب بقيمه وأخلاقه التي يعرفها من المناهج وبيئته المحيطة ويتعامل معها بخيارات عقلية متوازنة تحت إشراف الوالدين والمعلمين حتى لا ننشغل بالتربية على حساب الكسب التعليمي والمعرفي لأن التوازن يظل حاضرا، وحين يكون الطالب معرفيا بالضرورة يحسن خلقه ويكون أكثر وعيا، ولذلك نأمل كثيرا ألا يكون حديث الوزير خطابا إنشائيا عارضا بقدر ما يصبح موجها فعليا لأداء الوزارة وحرصها على الوصول بالحالة المعرفية بما يجعل طلابنا أكثر استعدادا لمواجهة تحديات المستقبل وبنائه.