د. فالح العجمي

فلسفة وسائل النقل

منذ أن نشأت التجمعات السكانية البشرية المتحضرة، وبعدها القرى والمدن في العصور المتأخرة، والمسؤولون في تلك التجمعات أو القرى والمدن يفكرون في وسائل يتمكنون من خلالها من نقل الأشياء أو البضائع بعد ازدياد العمليات التجارية، وكذلك يتمكن الأفراد من الانتقال بها من مكان إلى آخر. وقد تفننت المجتمعات المختلفة حسب تاريخها وإمكاناتها المادية وبيئتها وطبوغرافية المكان الذي يعيشون فيه، وكذلك حسب ثقافتها، التي طبعت - كما سنعرف في ثنايا هذا المقال - تفكير كل مجتمع في ابتكار وسائل نقله الخاصة.وكما هو معروف كانت ابتكارات الإنسان للنقل المائي أسبق من ابتكاراته في التنقل البري، وذلك بسبب الحاجة الماسة لوسائل التنقل في البحار أو الأنهار لئلا يغرق في الماء. وربما كان اكتشاف كون المواد الخفيفة كالخشب صالحة للطفو على الماء من قبيل الصدفة، ثم استعان بهذه المعرفة لصناعة وسائل نقل من هذه المواد تساعده على التنقل فوق سطح الماء، خاصة لأصحاب الجزر الذين تكون حياتهم واقتصادهم مرهونين بتلك القدرات. أما في التنقل البري فقد كانت بعض تلك التطورات مرتبطة بابتكارات توصل إليها البشر في بعض حقب تطوره الاقتصادي والصناعي، مثلما هي الحال مع استئناس الحصان، ثم استخدامه في التنقل، ثم الأفيال والجمال والحمير والبغال وحيوانات اللاما في أمريكا الجنوبية والكلاب في مناطق القطب المتجمد الشمالي. وفي مرحلة لاحقة بدأ الإنسان يربط بتلك الحيوانات أدوات تساعده على نقل بعض المواد الثقيلة، إلى أن استطاع ابتكار العجلة، التي أسهمت في تطور وسائل النقل بجر الحيوانات للعربات من خلال استخدام العجلات، ثم استخدامها لاحقاً في وسائل النقل التي ابتكرها مستقلة عن الحيوانات، بدءاً بالدراجة ثم القطار والسيارة، قبل أن يستخدم العجلة أيضاً في وسائل النقل الجوي مع ابتكارها في القرن العشرين الميلادي.ولسنا بصدد التفصيل في ابتكارات تلك الوسائل، أو تطورات تقنياتها، بقدر ما تركز هذه المقالة على الفلسفات الخاصة لبعض المجتمعات في استخدام وسائل نقل دون أخرى، أو الاحتفاظ ببعض المميزات المرتبطة بثقافة المجتمع أو تاريخه، أو شيء من الارتباط الحضاري بين الناس وتلك الوسيلة في بعض فترات الحياة المزدهرة عند ذلك المجتمع. ولن نطوف على كل التنوعات المتمايزة من ثقافات البشر قديماً وحديثاً؛ لكن المقارنة بين الثقافات المختلفة للتنقل داخل المدن حديثاً، أو بين المدن المتباعدة، يعطي شيئاً عن تلك التمايزات بين البشر المتباعدين جغرافياً، والمختلفين في تاريخهم وتطور أفكارهم، وكذلك عن رؤيتهم للعالم ولموقعهم في بيئتهم، وربما تصوراتهم للكون بكامله ومستقبل الأوضاع فيه.فإذا نظرنا إلى كثير من الأوربيين في الوقت الحاضر، فإننا سنجد أن عدداً كبيراً منهم لا يميل إلى استخدام وسيلة النقل الخاصة (السيارة على وجه الخصوص، أما الدراجة للمسافات القصيرة نسبياً فهي واردة في الحسبان). وذلك لأن مدنهم الكبيرة والمتوسطة موصولة أجزاؤها بوسائل نقل عامة منضبطة ومستمرة أغلب أوقات اليوم، ورخيصة نسبياً لجميع فئات مستخدميها، مع إمكانات الاشتراك الأسبوعي والشهري والسنوي، والحصول على بعض التخفيضات لكبار السن والصغار والطلاب، إضافة إلى سهولة التنقل بها، وعدم الحاجة إلى البحث عن المواقف في بعض مناطق المدن المكتظة. أما في مدنهم الصغيرة وقراهم، فتجوبها الحافلات المنتظمة أيضاً، والتي تجعل من يريد الاستغناء عن السيارة قادراً على ذلك. وفي المقابل نجد الأمريكيين غير قادرين غالباً على الاعتماد على وسائل النقل العامة، لظروف التباعد بين مدنهم من جهة، وعدم انتظام وسائل النقل العامة بصورة فاعلة من جهة أخرى.