محمد العلي

الفرار.. الفرار

لا أقصد من تكرار الفرار هنا أسلوب التحذير باعتباره عجزا وجبنا عن مواجهة مكروه ما أو حتى طوفان ما.. بل أقصد به أسلوب الإغراء.. فأنا هنا أغري نفسي والآخرين الذين يحملون الجمر على أيديهم بالفرار من قراءة أو سماع نشرات الأخبار من الفجر إلى الفجر على وزن من الماء إلى الماء.«لا حقيقة إلا في صفحة الوفيات».هذا ما قاله نجيب محفوظ.. وهو بالطبع لا يقصد الحقائق الكونية ولا ما يسمونه الحتميات النفسية والتاريخية والاجتماعية.. كلا.. بل يقصد ما ينشر في الصحف: فكل صحيفة فيها صفحة واحدة صادقة هي صفحة الوفيات، أما باقي الصفحات فهي حشو من الأكاذيب والتضليل وتزييف الواقع.إذا كان عندك صبر الجبال على العواصف استمع إلى فضائيتين متعاديتين، فستسمع من الأولى أن مجتمعها تجري من تحته الأنهار وأن الربيع حين حل بأرضها لم يستطع أن يغادرها وكلما نازعته الفصول الأخرى هزمها شر هزيمة.. أما البلاد الأخرى فهي غارقة في مستنقعات التخلف الحضاري والبؤس الفكري وأن مجتمعها أشبه بالبعران المعبدة.إذن لا بد من رفع شعار «الفرار الفرار من الأخبار» لأنها مجرد تزييف في كل الجرائد والفضائيات على امتداد العالم.. ولكن هل يمكن الفرار من سماع الأخبار؟!وأجيب على الفور: كلا.. لا يمكن الفرار من سماع الأخبار ولو حاولنا ذلك فسيكون ضربا من محاولة اصطياد العنقاء.. ولكن لماذا يا ترى؟!كان الناس في الماضي ينظرون إلى الأشياء باعتبارها معزولة عن بعضها.. فكل ظاهرة طبيعية أو اجتماعية معزولة عن الظواهر الأخرى.. وفي متاهة هذا التصور الميتافيزيقي السائد ينعدم الإحساس بالأسباب والمسببات ويصبح من السهل أن يقول الشاعر: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزودفالخبر من الترف إن جاء أو لم يجئ لا أهمية له..في زماننا هذا زالت غشاوة هذا التصور الأبتر عن الأنظار وأصبحت ظواهر الحياة متداخلة.. بل مستطرقة.. فلا يمكن- مثلا- فصل السياسة عن الاقتصاد ولا الدين عن نمو المعرفة ولا التاريخ عن الجغرافيا ولا طريقة التعليم التي يقوم عليها بناء الأجيال فكرا وسلوكا عن السياسة والدين والاقتصاد والتاريخ والجغرافيا وفلسفة الحياة كلها مجتمعة..حين لا تسمع الأخبار ولا «تفلترها» تصبح معزولا عن كل دوائر سلوك المجتمع المادي والروحي.