أيها الجني لماذا ظلموك؟
نتداول أمثلتنا الشعبية في كثير من المواقف، وكأنها قمة التعبير عن الواقع المؤكد في أي موقف يمر بنا، أو في كيفية التعامل مع الناس أو الظروف وفق تجارب الأوائل؛ ونحن كما يعرف كثير من القراء من المؤمنين بصحة أحكام الأوائل في كل شيء، حتى وإن كانت تتعلق بظروف حياة لم يعهدوها، ويعرفوا أياً من ملابساتها. فهل نقلّل من إيماننا ببعض أمثالنا وحِكمنا ومقولاتنا، التي نجترها من التراث، وكأنها غاية الواقعية والصدق واليقين؟ هناك من الحكم، التي يتداولها الناس، ويقرؤونها في كتب التراث، وربما على أوراق التقويم، فيسلّمون بها لكونها ما قالته الأوائل من واقع تجربتهم في الحياة، وهم حكماء فلا بدّ أن نصدقهم فيما يقولون. فيصدّقون هذه المقولات رغم رؤيتهم ومعايشتهم لكثير من الحالات، التي يتأخر فيها صاحب العمل الجيد، لأن نسبه غير الجيد لم يسعفه في التقدم، والعكس صحيح في حالات أخرى، لم يكن العمل المتميز هو ما أوصل صاحبه إلى مكانه المتقدم، بل نسبه أو قربه من صاحب القرار، أو انتماؤه إلى منطقة أو فئة بعينها. مع كل ذلك نجد المعايشين لذلك الواقع يرددون تلك الحكمة بشغف، وكأنها لا تتعارض مع ما يرونه أمامهم، أو كأن طعم التناقض مستساغ في فكر من يتقبلون هذه الازدواجية في الفكر والحكم على الواقع. أما في النصائح اليومية المتعلقة بعادات الغذاء والنوم، فنجد بعض الحِكم التي تشيع على ألسنة العامة، وربما تزينها السجعة، التي تجعل مقبوليتها أعلى عند البسطاء؛ من مثل مقولة: «تغدّى وتمدّى .. تعشّى وتمشّى». فهي تحضّ على الاسترخاء بعد الغداء، وخلافاً لذلك ممارسة المشي بعد العشاء؛ دون الالتفات إلى المقولات الصحية، التي تساوي بين النوم أو التمدد بعد أي وجبة سواء كانت في النهار أم الليل، وكذلك تغفل أن العرب يأكلون وجباتهم الدسمة في الغداء، فهي ما يحتاجون بعده إلى الحركة، وليس العشاء الذي قد يكون خفيفاً وسابقاً بساعات لوقت النوم. لكن الأكثر ظرافة هي المقولات أو الأمثال التي تربط حالة الوحدة لدى البشر بأوضاع الجن؛ فيقال: «جالس لحالك كأنك جني!» وغيرها من الاستخدامات، التي تشي بأن الجن دائماً يعيشون كل منهم بمفرده، مع أن الفكرة السائدة عن الجن لمن يؤمنون بهم، أنهم يعيشون في مجتمعات مثل مجتمعات البشر، بل ويحبون الصخب والأصوات العالية بالليل، ولهم مستعمرات تحت الأرض مليئة بكل أنواع الحياة الاجتماعية حسب الأوصاف الخرافية، التي يسردها من يدّعي أنهم خطفوه ورأى تلك المدن المتقدمة والحياة الاجتماعية الثرية. أقلها في المصادر الدينية والتراثية يوصفون بأنهم «أمم أمثالكم»، فلماذا يصوَرون بأنهم يعيشون فرادى، ليكونوا مضرب مثل في الوحدة؟. كنت قد قارنت في دراسة عن تعامل كل من العرب والغربيين مع ثقافتهم، واستنتجت بأننا نتعامل مع عناصر ثقافتنا وتراثنا على أنه كتلة واحدة تكون مجالاً للانصهار فيها والتأثر بها، دون الحاجة إلى تفكيك تلك العناصر، وإعادة تركيبها مرة أخرى بما يوافق العصر المتأخر. أما الغربيون في المقابل، فهم حريصون على إعادة النظر في فلسفات مفكريهم الأوائل، ومحاولة تأويلها وتعديل أحكامها بما يوافق المتغيرات في معطيات الواقع، على أساس أن اجتهادات القدماء لا تعدو كونها نظريات قابلة للدحض والتحليل المستمر، وليست حقائق نهائية. لذا وجدنا أن نقض بعض مبادئ الأوائل يكون لديهم أحياناً كاملاً أو جزئياً، كما هي الحال في الكانتية والنيوكانتية، والحداثة وما بعد الحداثة إلخ.