مبادرات للوطن والأجيال
لا يشك من يطلع على إعلامنا بكل وسائله، أو يستمع إلى ما يقال في مجالسنا بمختلف اهتماماتها في الحديث والنقاش، أن جلّ ما يدور في هذه وتلك مما يتعلق بالشأن العام يأخذ طابع المناشدات إلى الجهات الرسمية من أجل الاهتمام بناحية من حياة الناس، أو المشاريع التي يرى صاحب الرأي أنها مفيدة للعموم كالطرق والمطارات والمستشفيات الكبرى، أو لأصحاب مدينة أو حي معين في مدينة، أو قرية من القرى الغائبة عنها الخدمات. لكن قليلاً منا يتجه إلى التفكير في المشاريع القائمة على مبادرات فردية؛ إما بتكاتف الناس مع بعضهم بعضاً، أو بمساندة من بعض الشركات أو المؤسسات، التي يرغب أصحابها في دفع بعض المبالغ في سبيل الصالح العام، أو حتى من أفراد من ذوي اليسار، الذين يدعمون المبادرات المباشرة في إطار مباشر وملموس.وما أود طرحه اليوم هي مبادرة أترك المجال مفتوحاً لمن يتبناها بشأن مشروع شامل للتشجير في مدن وقرى وطرق المنطقة الشرقية. وتتمثل هذه المبادرة في إنشاء إطار تطوعي للشباب من خلال المساهمة في هذا العمل الجليل، الذي بكل تأكيد يصب في مصلحة استراتيجية عليا للبلاد والأجيال اللاحقة، كما يكون له مردود جيد على أوضاع الشباب المنخرطين في مثل تلك الأعمال، لما يربطهم من خلاله بتراب الوطن والانتماء إليه، كما يرفع لديهم روح الثقة في النفس للأعمال الخيرية، وإنجاز المشاريع الإيجابية الخلاّقة. كما يمكن أن يحصلوا على بعض المال في نهاية عملهم، خاصة في أسابيع الإجازة الدراسية، إن وجد دعم من بعض شركات المنطقة أو بنوكها ورجال الأعمال البررة بمنطقتهم. ويمكن في حالة التفكير العملي في بنود هذه المبادرة، أن تتوزع كل محافظة تجنيد شباب المحافظة نفسها، وفي حدود مدنها وقراها، وحتى الجزء الخاص بالطرق بينها وبين المحافظات الأخرى. وبذلك يكون التنافس بين المحافظات قوياً على التشجير والاهتمام بالطبيعة، وجمال المدينة وطرق الربط بين أجزائها المختلفة، أو الأجزاء الرابطة بينها وبين بقية المحافظات أو المناطق المجاورة.طبعاً سيأتي من يعقد الموضوع بالتصورات الروتينية المعتادة، من أن الطرق الطويلة الرابطة بين المناطق والمدن تتبع وزارة النقل، وهي جهة مركزية ليس لإمارة المنطقة ولا المحافظات سلطة عليها، ولا حق التدخل في صلاحياتها، ومنها على سبيل المثال الاعتناء بتشجير جوانب الطرق، وما أشبه ذلك؛ لكن اقتناع إمارة المنطقة بجدوى ذلك المشروع الكبيرة، سيسهل عملية التعاون بين الحاكم الإداري في المنطقة والوزارة المركزية. كما سيرفع بعض المناوئين للمبادرات الإيجابية دعوى شح المياه في البلد، وعدم جدوى أن يهدر الماء على التشجير. لكن المنطقة الشرقية بالذات ليست من المناطق الشحيحة المياه من جهة، خاصة المياه غير الصالحة للشرب، التي ستكون مناسبة لكثير من الأشجار؛ إضافة إلى أن المبادرة لا تعني أن تجري زراعة الصحراء، بقدر ما يقوم أولئك الشباب بأعمال بعضها توعوي لأصحاب المنازل بزراعة أشجار حول منازلهم، ويسقونها بفائض مياه غسيل الأحواش مثلاً وغيرها التي تهدر دون فائدة.أما فوائد المبادرة، فهي كبيرة جداً؛ بدءاً من تلطيف الجو، وتثبيت التربة، والإسهام في إعادة توازن نقاء الهواء الذي أصبحت نسب الملوثات فيه عالية، وأكثرها الكربون من عوادم السيارات ووسائل النقل المختلفة والمصانع. ونتيجة للتغير المناخي الكبير، الذي حصل على الأرض في العقود الأخيرة، فقد أصبحت درجات الحرارة لا تحتمل في كثير من بلدان العالم، فكيف سيكون الحال عندنا لو وصلت إلى ستين درجة، فهل يمكن الحياة على هذه الأرض؟.