محمد العلي

كيف يفكر الغرقى؟

كان -أعني أحد الروائيين البائسين- جالسا على شاطئ البحر وكان البحر عاضا على شفتيه من شدة الغضب، فجأة رأى صاحبنا الروائي الباسق سفينة يمزقها الموج.. ونقل عينيه بين الغرقى وهم يصارعون البحر العاصف ويستغيث بعضهم ببعض.. فما كان منه إلا أن صفق فرحا لأنه عثر في هذا المشهد الاسود على عنوان مبتكر لرواية تختلج في ذهنه وهو «كيف يفكر الغرقى»؟وحيث انه قرأ في احدى الجرائد اليومية ان الرواية لابد من قيامها على الصراع واختلاف مواقف ابطالها من المشكلات المسببة لهذا الصراع سواء كان خياليا سابحا في الفضاء أو واقعيا يمشي على الأرض راح خياله يقول له: ان الغرقى جميعهم يصارعون شيئا واحدا هو الموج، وهذا لا يسمى صراعا إلا في نظر نقاد ما بعد الحداثة واذن لابد من خلق شيء ما تختلف حوله شخصيات الرواية في الرؤية والموقف.. ولكن المشكلة: ما هو؟وركز خياله بقوة فوصل الى تصور عبقري هو «الطحلب» تصور ان قطعة من الطحلب تشغل حيزا واسعا من البحر ثم تصور الغرقى محيطين بهذا الطحلب وان كلا منهم سوف يمسك بقطعة منه تنقذه من الغرق، ولكنه احس بالخيبة حين ذابت كل قطعة من الطحلب في يد كل غريق وراح الموج يضحك منه وعليه.هنا راح يحدث نفسه قائلا: عنوان: «كيف يفكر الغرقى» يحيل الرواية بالضرورة الى رواية واقعية اجتماعية، وستفشل هذه المحاولة بالتأكيد لأنه ليس فيها بؤرة للصراع يقوم عليها هذا العنوان، واذن فلأحول الرواية من رواية اجتماعية الى رواية فلسفية.. عنوانها «البعد الرابع للطحلب».وقد اخترت هذا البعد ولم اختر البعد الخامس لأن الطحلب يتفتت مثل الزمن وكما ان الطحلب له ألوان عديدة: الأخضر والاحمر والاصفر والازرق الخ فان الزمن كذلك له ألوان عديدة.. ولكن لا يراها الا الشعراء والعشاق ومن لف لفهم وفهم فهمهم وقلد خطوهم وتاه في غاباتهم.والبعد الرابع للطحلب هو انه «كائن ذاتي التغذية» وهو بهذا قد ألقى اسئلة على الفكر الفلسفي ما قبل السقراطية مثل: ما هي العلاقة بين الطحلب وبين الماء؟ لماذا يتغير لونه بين ماء وماء؟ لماذا يقبل الماء ان يغطي الطحلب وجهه؟وكان السؤال الاخير هو الذي اخذت هذه الرواية الاجابة عنه لأنه اكثر الاسئلة غرابة فالماء هو ثالث ثلاثة هم اقوى من كل قوة في الارض وهم: الطفل والمرأة والماء.. واذن لماذا أصبح الماء جبانا امام الطحلب؟الرواية حتى الآن في اولها..