«حذفة حصا» أم دوخة رأس؟
كثير منا يعرف العبارات المستخدمة لدى عدد كبير من أبناء البادية في تقريب الأشياء، التي يريدون إيهام المخاطب بأنها لا تبعد كثيراً عن موقع تواجدهم، ومنها العبارة المشهورة: «حذفة حصا»؛ بمعنى أن المكان عند الموقع الذي ستسقط عنده الحصاة من موقعك الذي تتواجد فيه. وقد تسير طويلاً حتى تدرك هذا المكان الذي يشار إليه بالقرب الحسي الشديد، أو قد تتلوى الطرق لتصل إلى ذلك المكان بعد شق الأنفس. ومثله يوجد في بعض مجالات التسويق لوصف قرب الأشياء منك، إما باستخدام اسم مقارب لموقع مشهور ومرغوب في سكن أو مواصلات، أو بوضع الوقت اللازم للوصول إلى أقرب نقطة في المدينة، وكأنها هي المسافة الفاصلة عن وسط المدينة. لكن الأقرب شبهاً بهذا الإيهام البدوي الفطري، هو ما تمارسه بعض مؤسسات الفندقة في كثير من دول العالم بقرب المنتجعات أو المطارات؛ إذ تستخدم وصفاً غير دقيق لتحديد مدى قربها من المكان الذي يرغب الزبون أن يكون الفندق موجوداً فيه. فقد كانت لي تجارب غير إيجابية مع عدد من الفنادق التي تصف نفسها بالقرب الشديد من المطار؛ وعندما تنتقل إلى الفندق تجد أن السبع أو العشر دقائق، التي كتبها المسوقون لذلك الفندق وهم من نسج الخيال، إلا إن كانوا يحسبون الطريق الجوي في الهواء، وكأن النزيل سينزل عليهم بطائرة شراعية من المطار، وسيطير إليهم بها. وفي كل تلك المناطق المتعلقة بمطارات في مدن وقارات متعددة، لم أجد كلام تلك المؤسسات الدعائية قريباً من الصواب. فأحياناً يحتاج زبون الفندق إلى السير بالسيارة من نصف ساعة إلى ساعة حسب الوقت والازدحام؛ سواء من المطار إليها، أو منها إلى المدينة. فهي فنادق أو بيوت تشبه الفنادق الصغيرة تقع في عزلة عن كل شيء؛ ومع إمكانات الاشتراك في مواقع الانترنت للحجز الفندقي، أصبح لديها الفرصة لمنافسة المؤسسات الفندقية الرصينة، وذات المواقع المعقولة. ولكونها في عزلة عن الحياة، فإن النزيل سيكون مضطراً للتعامل مع ما يقدمونه من مأكولات ومشروبات وترويح، حتى وإن كان لا يرقى إلى المستوى العام في البلد، أو فيه مبالغة في الأسعار بسبب احتكارهم الفرصة لتقديم تلك الخدمات. ولكون تلك الحجوزات قد أصبحت الكترونية، والدفع فيها مؤكداً بضمان البطاقات الائتمانية، فإن الزبون ليس أمامه إلا التسليم بفشل ذلك الخيار، مع ضرورة البقاء عليه، لأنه لا سبيل إلى إلغائه بعد بدء سريان مدة الإقامة. ويزيد من احتمال القبول بكل ذلك مهما كان سيئاً، أن يكون المرء متعباً، ويود البدء في فترة الراحة، أو أن تكون لديه رحلة من المطار الموالي لذلك الموقع، والذي أوهمه المسوقون بأنه ملاصق له، وسيوفر عليه وقتا ثمينا لدى الاستيقاظ، والانتقال إلى المطار، خاصة إن كانت الرحلة في وقت مبكر جداً. أحد الأصدقاء عندما حكيت له قصة الفندق، الذي قيل لي إنه في منطقة المطار، وتعبت كثيراً، كما توقفنا أكثر من مرة للسؤال عن المداخل غير الموجودة على شاشة الجي بي إس؛ قال لي: يبدو أن الناس في أمريكا اللاتينية يريدون أن يذكروك بتراث العرب في تقريب البعيد، للتهوين من المشقة، كما اعتاد العرب ذلك لشد عزائمهم في الرحلات المتعبة. فقلت له: لكن الأمر قد حصل أيضاً في برشلونة وفي مناطق أوروبية وأمريكية أخرى. فعلّق مداعباً: لكن الاسبان ربما هم من نقلوا تراثنا هذا إلى بعض مناطق أوروبا وإلى الأمريكتين. قلت: المهم أن نتخلص من هذا الخداع!* أستاذ اللسانيات بجامعة الملك سعود