د. فالح العجمي

ماذا تفضل من الطعام؟

في أيام المناسبات والفرح والاجتماعات الحميمة تكثر موائد الطعام، ويتكالب الناس في الشرق على وجه الخصوص على إعداد الأطعمة المختلفة، والتباهي بما يقدمونه من تلك الأنواع. لكن هل الحرص على إعداد تلك الموائد والتفنن في صناعتها رغبة في تقديم ما يعجب الضيوف أو المدعوين، أم هي المنافسة على سمعة الكرم والجود و"السناعة"، كما تقول بعض المصطلحات المحلية، خاصة في وصف المرأة المجيدة لما يتوافق مع المناسبات، ويرضي عيون الزوار؟. تذكرت ما كان قد سألني عنه شخص أجنبي لا أعرفه، لكنه أطل من شرفة مجاورة، وعندما عرف أني من السعودية، بدأ يسأل ويتحرى عن أنواع الطعام التي نصنعها، أو نفضلها، أو نحرص على تقديمها في حالاتنا المعتادة، وفي مناسباتنا الكبيرة. وقد تشعب حديثنا في هذا الشأن، وأصبح يشبه محاضرة في ثقافة الطعام الشرقية، وفي غزو الأنماط الغذائية الواسعة الانتشار عالمياً كثيراً من البيئات والمناطق الجغرافية، التي تعاني من تحولات في الثقافة وأطر السلوك العامة. ولم تغادر ذاكرتي ما كان قد ظهر منه من انفعالات، عندما حدثته عن بعض أنواع أطعمتنا الشعبية، التي كانت في يوم ما هي مصدر الغذاء في كل بيت، وأساس المائدة في كل مناسبة. فكانت ردة فعله الأولى تتراوح بين الاستغراب والإعجاب إزاء ما وصفته من طعام الإفطار، الذي كنا أطفالاً نحرص عليه في بيوتنا، وكذلك وجبة الغداء المحلية الطابع، ثم العشاء الذي كان في أغلب مناطق المملكة خفيفاً ومتنوعاً، لكنه يحتوي الخبز الطازج، الذي كنا نأتي به من الأفران. لكنه شعر بالأسى، عندما وصفت له حالنا الآن في أغلب المدن الكبيرة على أقل تقدير؛ حيث أصبح إفطار الصغار، إما من المعلبات الجاهزة، أو شيء في الطريق، أو من المطاعم المنتشرة قرب المدارس وفي الأسواق. وعندما وصفت له حال أطعمتنا في المناسبات، وكيف أن الكمية هي المطلوبة، وليس النوعية أو قيمتها الغذائية؛ بدأ إعجابه الأول يتبخر، وأصبح ممتعضاً مما يجري في تلك المناسبات، قائلاً: إذا كنا في العالم الغربي قد اتجهنا إلى أطعمة غير صحية، فإننا على الأقل لا نسرف في كميات لا يجري استهلاكها. ثم أردف قائلاً: هل تعلم الجمعيات الحقوقية لديكم عن هذا الاستهتار بالموارد الغذائية، التي هي ملك للجميع، وليس للقادرين على شرائها والإسراف فيها من أجل الاستعراض؟ قلت: أولاً، لا يوجد عندنا جمعيات حقوقية، ولا يدافع عن حقوق الفقراء والمبادئ العامة إلا أناس بحناجرهم أو كتاباتهم هنا وهناك. فلا يوجد عمل منظم، وفيه استقصاء، وبحث عن مصادر دعم الجهود للتقدم في المطالبة بتغيير الوضع، والعمل بصورة تراكمية. ثانياً، الثقافة السائدة تدعم هذا الاتجاه وتنميه لدى الأجيال المختلفة. ثم ختمت الصدمة، التي صمت بعدها، قائلاً: هل تعلم أن الثقافة عندنا ما زالت تعلي من شأن رجل قبل خمسة عشر قرناً كان قد ذبح شاته التي يعيش أطفاله على حليبها من أجل ضيوف نزلوا بداره؟ وعودة إلى المناسبة المتعلقة بعيد الفطر المبارك، هل يعلم كثير من عمداء الأسر، التي يحرص الكبار فيها على التئام جمع الأسرة على مائدة طعام باذخة، أن كثيراً من أفرادها يتمنون انقضاء تلك المناسبة بسرعة، غير آبهين بأنواع الأطعمة التي تُقدم صباحاً على غير ما اعتاد الناس الأكل الثقيل؟ ألا يكفي الاجتماع على القهوة والحلويات (وربما التمور ومنتجاتها على وجه الخصوص هي التي تتعلق بمناسبة مثل رمضان وعيد الفطر) وبعض المرطبات، ثم تؤخر الوجبات إلى حين احتياجها. أستاذ اللسانيات بجامعة الملك سعود