أيَّة واحدةٍ منها نصدّق؟!
يذكر أمين معلوف، الكاتب اللبناني الأصل والفرنسي الجنسية، أن والده كان يدير تحرير صحيفة يومية، حيث اعتاد أن يرسل نسخا منها إلى زملائه رؤساء تحرير الصحف الأخرى من باب اللباقة، فتصله منهم في المقابل نسخ من الصحف اللبنانية المختلفة. يشير أمين، الذي كان آنذاك صبيا، إلى رزمة الصحف، ويسأل: «أية واحدة منها يجب أن نصدق»! يجيب الأب: «ولا واحدة.. وجميعها»! ثم يضيف: «كل واحدة ستعطيك حقيقتها وحدها، فإذا كنت تتمتع بقوة البصيرة ستفهم ما هو الجوهري». في البداية، قد تجد في إجابة الأب تضاربا، لكن ما أن تكمل العبارة حتى تمثل أمامك حدائق المعنى، فتدرك صحة ما يقوله السيد معلوف الأب. ذلك أنه لا مجال لفهم ما هو جوهري دون الاطلاع على مختلف الآراء. هذا أسلوب مختلف في التربية لا يعتمد على التلقين، ولا يفرض إجابات قاطعة مانعة، بل يعزز استقلالية الرأي، ويترك الأبواب مفتوحة على كافة الاجتهادات. ترك الأب لابنه فرصة أن يستخدم عقله، وأن يكتشف الأشياء بنفسه، دون أية وصاية على تفكيره. وفي الإجابة توجيه غير مباشر للابن بأن لا يرهن عقله لأحد، أو يقبل بوصاية فكرية من أحد. قد تهيئ الظروف أحيانا أجواء تربوية صحية مماثلة، ومع ذلك يشق بعض الأبناء طريقهم بشكل مغاير. وربما تأتي النتائج خلافا لتوقعات الآباء. ليس لأن أساليبهم التربوية فاشلة، بل لأن تأثير البيئة المحيطة أقوى من محاولات الآباء. مع ذلك يظل دور البيت مؤثرا في حياة الفرد. وهذا ما تؤكده الأخصائية الاجتماعية فرجينيا ساتير التي ترى أن كل كلمة، أو نظرة، أو حركة من قبل الوالدين هي رسالة تترك أثرها الإيجابي أو السلبي في نفوس الأبناء، وأنه لمن المؤسف أن بعض الآباء لا يدركون دلالة الرسائل التي يبعثون بها خلال تعاملهم مع الأبناء. أعود إلى الجوهري في إجابة معلوف الأب، والذي أخفق بعضهم في استيعابه، وهو أن العالم مجموعة حقائق، وأن لكل منا حقيقته الخاصة التي يبدو السجال الدائر حولها مضيعة للوقت. وبهذا الفهم تنقشع سحب التعصب ووهم امتلاك الحقيقة، وتزول أسباب الصراعات والأزمات. نعم. سيعرض لنا كل منبر إعلامي أو ثقافي حقيقته الخاصة. لكن بالرغم من تعدد المنابر الإعلامية، وتنوع مناهل المعرفة وقنوات الثقافة يلاحظ أمين معلوف أن الغالبية العظمى تكتفي «بالاستماع إلى صوت الجرس الذي يداعب آذانهم» لأسباب مختلفة، أحدها الثقافة المحدودة، أو نمط التربية والتعليم الذي يكرس أحادية التفكير. لذلك «يوجد آلاف الأشخاص الذين لا يشربون إلا من الينابيع المألوفة، ولا يبحثون أمام الشاشات إلا عن تعزيز قناعاتهم، أو تبرير ضغائنهم». وبالعودة إلى مسألة البحث عما هو جوهري، فإن الأمر لا يقتصر على المفاضلة بين وسيلة إعلام وأخرى، أو أية واحدة ينبغي أن نصدق، كما جاء في سؤال أمين معلوف، بل يتجاوز ذلك ليشمل كل الشعارات واللافتات والأيديولوجيات التي نحتاج، عند فحصها، إلى قوة البصيرة لنقرر أيها أصدق وأنفع، وأقرب إلى روح القيم الإنسانية الجميلة. وبعد: يكرس البحثُ عما هو جوهري ثقافةَ الأسئلة، وهي وسيلة تربوية لا بد منها كي لا يصبح الناشئ فريسة سهلة لأفكار المتلاعبين بالعقول، فيتحول إلى أداة طيعة لتنفيذ أجندات قوى العنف والتخلف.