د. إحسان بوحليقة

تغريدات الوزير

"أزمة السكن" تنتظر حلاً، ومع تعيين الوزير الجديد تتجه الأعين لحسم هذا الانتظار الذي سببه ليس الافتقار لشخص ينجح في احتواء عناصر المنظومة وتلاقي أضلاعها. قضية السكن تتجاوز كونها مهمة وملحة، فهي تتعلق بأحد أساسيات الحياة، المأوى. وإقرارنا بتدني نسبة امتلاك السعوديين منازلهم، جاء في وقتٍ ضاءل فيه صندوق التنمية العقارية، فهو يتلقى طلبات الإقراض بالجملة وينفذها بالقطاعي فطالت فترة انتظار الحصول على قرض عن 12 سنة! وبعدها اكتشفنا أن المشكلة لا تنحصر في القرض بل في عدم توفر قطعة أرض ليقام عليها المسكن، في بلدٍ شاسع المساحة – الله يرعاه - وبعدها دخل عَرض (أو طول، لست متأكداً) موضوع الأراضي البيضاء والرسوم عليها، وبالتزامن استغرق اهتمامنا التوصل لآلية الاستحقاق، للتعرف على من هو جدير بالحصول على منتجات الإسكان.ومع انشغالنا - كمجتمع - بنقاشات وسجالات، لم نتتبع أثر أنظمة الرهن والتمويل العقاري، والذي يبدو أنه قطاع التهمته البنوك التجارية أو هي على وشك، وبرز من كل ذلك ضخامة الدفعة الأولى (30 بالمائة)، وهي نسبة بالقطع غير موزونة بل مُغرقة في التحفظ والتحوط، تفرغ منهج تيسير امتلاك المسكن من معناه، وكأن من اقترحها لم يلحظ الصدور المتزامن لنظام التنفيذ القضائي على من يتخلف عن السداد، وكان حريا بمن اقترح دفعة 30 بالمائة أن يتمعن في طرق جديدة لتعزيز القدرة الائتمانية للمستفيدين من قروض الإسكان.يأتي وزير الإسكان الجديد بخبرة عملية في التطوير العقاري، مدركاً أن هناك تأخيرا في تطبيق الحلول الاسكانية، وهذا ما اتضح من مقابلة أجرتها قناة العربية معه قبل أشهر على هامش ورش عمل لوزارة الإسكان عندما كانت تناقش آلية الاستحقاق. وللوزير تغريدات كثيرة عبر توتر والعديد من المقابلات، تبين وجهة نظره في أزمة الإسكان وحلولها. وفي مقابلة له مع برنامج "يا هلا" قال إنه - من حيث عدد الوحدات السكنية - هناك توازن بين العرض والطلب، باعتبار وجود نحو 5 ملايين وحدة سكنية، أما تشكيلة الوحدات السكنية فتجبر المواطن على امتلاك منزل كبير. وبينَ أن هيئة الاسكان كانت بعيدة عن الواقع في البداية، وأن الوزارة أدركت أنه لا بد من إحداث توازن بينها وبين المطورين والمستفيدين. وأضاف: إن ليس كل شيء يُحل بالمال. وواصل أن وزارة الاسكان أدركت صعوبة السيطرة على السوق فاتجهت لبرنامج أرض وقرض، وللتعاون لإيجاد المحفزات ليعمل المطور مع الوزارة بما يوفر مساكن لمتفاوتي الدخل بما في ذلك الوحدات الاقتصادية. واللافت أن وجهة نظره إستراتيجية ذات مرتكز اقتصادي (ذي كفاءة)، منها مثلاً عدم رضاه عن اتساع وتمدد مساحات مدننا وسط وجود فراغات (أراضٍ بيضاء) مهيأة بكل الخدمات والمرافق، ويرى أن الحلول بسيطة لكنها تحتاج إلى عمل إستراتيجي. كما يرى أهمية أن توظف وزارة الإسكان ما تحت يدها من أراضٍ لشحذ التنافس بين المطورين العقارين حتى يبدع كل مطور بثقافته التطويرية للمنزل.ليس بوسع أحد تهميش أهمية الحلول الفنية الكفؤة، وهذا ما استغرقنا وقتاً لاجتراحها، ويبدو أن العنصر المفقود هو المنظور الاستراتيجي الشامل، ورغم أن وزارة الإسكان وضعت استراتيجية للإسكان منذ أن كانت هيئة، لكنها كانت استراتيجية "فنية"، في حين أن المنظور الاستراتيجي الشامل لا بد أن تكون وطنية الطابع ولا يقتصر تنفيذها على الأطراف التقليدية الثلاثة (الوزارة - المطور - المستفيد) بل يشمل كل طرف له صلة، ولا سيما بقية الجهات الحكومية، ولا يقتصر الأمر على الأمانات والبلديات، بل يشمل القطاع المالي بما يتيح خيارات مالية متنوعة للإسكان، بما يُحسن ويعزز قدرة المستفيد من امتلاك المنزل الملائم عبر توظيف الرهن والتمويل ارتكازاً على الإمكانات العريضة للسوق المالية التي لم تمس تقريباً حتى الآن.كل ذلك كان قبل تكليفه وزيراً، الآن نحن وهو أمام تحديات: إدراك أن لا توازن في السوق من حيث العرض والطلب فيما يتصل بالوحدات الاقتصادية (الشبابية) التي تصلح لتكون "المسكن الأول" الذي يطمح شاب حديث التخرج لامتلاكه، وأن الاستراتيجية الإسكانية يجب أن تُحول لمنظور وطني تنفيذه بالحكومة برمتها لينحصر دور وزارة الإسكان بأنها الجهة المشرفة على سلامة وسرعة وكفاءة التنفيذ. وإشراك أوسع للجهات الحكومية ليس القصد منه تعميق البيروقراطية، بل الاستفادة من كل الموارد المتاحة، فقد ثبت ميدانياً أن وزارة الاسكان لن تستطيع النهوض بالأمر بمفردها، إذ لا بد أن يتسق الحل وفق إيقاع ناظم، فلا يعقل أن تعاني البلاد من تدني نسبة الامتلاك، ليأتي من يغرد خارج السرب مطالباً بأن تكون الدفعة المقدمة 30 بالمائة، ولا يعقل أن تبقى سوقنا المالية خارج المساهمة في الحل، فلا رهونات ولا تسنيدات وصكوك ولا مؤسسة لإعادة التمويل والرهن، فما نراه إعادة تغليف وتعليب. ننتظر تكاملاً وإبداعاً وعدم إهدار مزيد وقتٍ.*متخصص في المعلوماتية والإنتاج