عبد اللطيف الملحم

الطائفية.. الاتهام والاتهام المعاكس

السطور القليلة التالية رأيتها مكتوبة في إحدى الرسائل التي وصلتني من أحد الزملاء وتقول.. (أصول الاختلاف الديني أو التمذهب لم تكن عقائدية قط أو اختلافا على الأصول في العبادات والمعاملات، وإنما خلافات أشخاص على المكانة والمزايا وتم إخراجها بشعارات المروق والمعصية، لتتحول إلى اتباع وجيوش وصراعات أبدية مات مسببوها وشبعوا موتا، ولم يكونوا ليتوقعوا المآلات التي تحولت إليها طموحاتهم الشخصية. هذا ينطبق على تواريخ وعقائد كل الأمم وليس المسلمين فقط، ولكن عقلاء الأمم الأخرى سبقونا في تفكيك فخاخهم وردموها في مقابر التاريخ).ما يحير في الأمر هو أننا في العالم الإسلامي لم نتعلم من دروس الآخرين، ولم نتعلم من دروس مررنا بها إلى يومنا هذا. وفي الوقت الذي نرى فيه العالم الإسلامي في أمس الحاجة لنبذ الطائفية ونبذ العنف المصاحب لها وتوحيد الجهد، إلا أننا نرى العالم الإسلامي بجميع طوائفه يتباعد أكثر عن بعضه البعض ويكره الآخر. وزيادة على ذلك هو الاتهام والاتهام المعاكس، وكل طرف يقوم بنبش أحداث بعضها حدث قبل ألف سنة، ومع ذلك ما زال الكثير من المسلمين يعيشون على ذكريات أكثرها مرير، وأيام مضت لن تعود لإصلاح ما حدث. فالطائفية تفرق الشمل وتجعل العدو يدخل بين جميع الأطراف، وينفذ أجندات ليس لأنه قوي، ولكن لأن الطائفية تضعف الجبهة الداخلية. ولن ينفع أي طائفة أن تبرز ما عليه الطائفة الأخرى من اختلاف، بل إنها تكشف صدور الكل للعدو. ولقد رأى العالم الإسلامي في وقتنا الحالي أكبر فجوة بين شرائح مختلفة من المسلمين، ورأى العالم جميع أنواع التطرف الإسلامي، التي لم يتوان بعضها عن قتل النفس المسلمة وتدمير كل ما يمتلكه المسلم. والغريب في الأمر هو أن كل مسلم يتباهى للعالم بكلمة المليار ونصف مليار مسلم، ولكن في نفس الوقت يقوم بتحييد الآخر ويرى أنه هو على حق والطرف الآخر على خطأ، ليتحول رقم المليار ونصف المليار فقط للتباهي وليس للبعد عن التناحر. ووصل الأمر إلى الدخول في علم الغيبيات التي لا يعلمها إلا الله -سبحانه وتعالى- عندما تقرر نفس بشرية أن هذا في النار وذاك كافر لتتسع الهوة بين كل طائفة من المسلمين. وذهب الأمر أبعد من ذلك عندما نسمع أبناء الطائفة الواحدة تقوم بتكفير شريحة أخرى. وهذه أمور رآها العالم الإسلامي عندما قامت صراعات بين ابناء المذهب الواحد، وقتل جراء هذه الصراعات أعداد لا يعلمها إلا الله -سبحانه وتعالى-، ولكننا لم نتعلم من الماضي لنبني مستقبلا أفضل لكل مسلم. فكل مسلم من الممكن أن يتعلم مما يراه في المسجد الحرام بمكة المكرمة. ففي هذا المسجد ترى كل مسلم ممن يأتي من الداخل أو الخارج ومن أطراف بعيدة من أقاصي الأرض بمختلف معتقداتهم وجنسياتهم وألوانهم ولكنهم يطوفون ويسعون ويصلون جنبا إلى جنب في أمن وأمان.. فهذا هو الإسلام السمح. * كاتب ومحلل سياسي