عبدالرحمن العومي

المنشآت الصغيرة ودورها الاقتصادي

تولي جميع الحكومات بالعالم أهمية قصوى للمنشآت الصغيرة والمتوسطة الحجم، وذلك لأن كلمة السر في النمو الاقتصادي والتطور الاجتماعي هو نابع من هذه المنشآت، لأنها المجال الأكبر في توفير فرص العمل والباب الرئيسي لدخول ابناء الوطن في هذه العملية الإنتاجية ودعم الاقتصاد الوطني.ولهذا فإن الحكومات تتسابق وتتنافس على توفير الفرص وتقديم الدعم المادي والإداري والعملي والعلمي لهذه المنشآت؛ إيمانا منها بدورها الإيجابي على المستويين الاقتصادي والاجتماعي.ولو رجعنا إلى بداية الثورة الصناعية لوجدنا هذه الثورة قامت على اصحاب المشاريع الصغيرة الذين حاولوا تكوين رأس المال وابتداع الطرق الإنتاجية الحديثة والاساليب التسويقية الجديدة.وبعد الحرب العالمية الثانية التي اكلت الأخضر واليابس بدأت اوروبا واليابان تستعيد قوتهما الإنتاجية والاقتصادية من خلال هذه المنشآت الصغيرة والمتوسطة. ولهذا نجد أن المنشآت الصغيرة والمتوسطة تستأثر بحوالي 50 بالمئة إلى 80 بالمئة من مجموع العمالة في أوروبا واليابان والولايات المتحدة الأمريكية، وتصل مساهماتها للناتج المحلي الإجمالي 65% في اليابان و50% في ألمانيا و45% في الولايات المتحدة الأمريكية، ولنجاح هذه التجربة في الدول المتقدمة فقد تبنت منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو) دعم نمو وتطوير المشروعات الصناعية الصغيرة والمتوسطة في البلدان النامية وبلدان التحول الاقتصادي، مما كان له الأثر الواضح على الدول النامية في دفع عجلة التقدم وزيادة الناتج المحلي الإجمالي، وخير مثال على ذلك هي الصين حيث تساهم المنشآت الصغيرة والمتوسطة ما يقارب 60% من الناتج الصناعي المحلي، وتستأثر بما يقارب 75% من القوى العاملة في البلاد التي تعتبر أكبر بلد من حيث تشغيل الأيدي العاملة، حيث إن من اهم سمات المشروعات الصغيرة والمتوسطة انها تعتمد على كثافة الأيدي العاملة كما تتميز بسهولة دخول هذه الأيدي العاملة الى سوق العمل، وتتولى هي بنفسها صقل هذه الأيدي العاملة واعطائها الخبرة والمعرفة بعكس المنشآت الكبيرة التي يتطلب العمل معها مهارات وخبرات، تصعب على الكثير امتلاكها خصوصا المنخرطين حديثا في سوق العمل في الدول النامية، التي غالبا لا يتوافق تعليمها مع متطلبات سوق العمل، ولهذا نجد ان المنشآت الصغيرة والمتوسطة تعطي نوعا من العدالة الاجتماعية وفرص لتقاسم الموارد الطبيعية في أي بلد، كما ان هذا النوع من المشاريع قابل للاستمرار والتطور في جميع أنحاء البلاد حتى الأقاليم الصغيرة والنائية، فهي توفر فرص عيش وتكوين مجتمعات بعيدة عن العواصم واماكن الاكتظاظ السكاني.ولهذه الأسباب الكثيرة التي يصعب حصرها بهذا المقال فقد التفتت الحكومات العربية الى هذا النوع من المؤسسات والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وعقدت عدة اجتماعات ومؤتمرات وورش عمل في الدول العربية للتشجيع وإزالة العقبات والمعوقات التي قد تقف حجرا عائقا في طريق هذه المنشآت الصغيرة والوليدة. وقد عقد مؤتمر (القمة العالمية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة 2015م) نظمه مجلس دبي الاقتصادي بالتعاون مع (SPI group) ذكر فيه الاستاذ عبدالله الشيباني أن حكومة دبي تسعى الى تعزيز مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة للناتج المحلي الاجمالي لتصل الى 60% بحلول عام 2021م. إن ما تحاول القيام به حكومة دبي هو مطلب لجميع الدول العربية ومن ضمنها المملكة العربية السعودية، وقد سنت بعض القوانين والانظمة الكفيلة بالوصول الى هذا الهدف لكن على ارض الواقع انصدم المستثمر بان هذه الانظمة والقوانين تخضع لبيروقراطية وتعقيدات صعبة، أصبح معها الحصول على قرض تمويلي يحتاج إلى معجزة وانتظار قد يفوق انتظار صندوق التنمية. كما ان وزارة العمل فرضت تشريعات تعتبر تعجيزية اكثر من كونها تنظيمية.حيث انها تفرض على أي منشأة جديدة صغيرة لم تبدأ العمل بعد بتوظيف ايد عاملة سعودية يفوق راتبها السنوي رأس مال هذه المنشأة. كما انها لا توفر للمنشأة الصغيرة الحد الادنى من العمالة لإنجاح هذه المنشآت والمشاريع الصغيرة، ناهيك عن الاجراءات الروتينية والازدحام والتأخير في معاملات اصدار التأشيرات المطلوبة لهذه المشاريع، مما يسبب تكاليف واعباء مالية على المستثمر الجديد الداخل على السوق، مما يحمله ديونا تعصف به وبأحلامه الوردية، أضف إلى ذلك كثرة الجهات المرتبطة باعطاء التصاريح لهذه المنشآت من بلديات وكل من تعامل مع هذه البلديات يعرف المأساة التي يلاقيها صاحب المنشأة.وكذلك الوزارات التي تكون استراتيجياتها غير متماهية مع الواقع في بعض الأحيان، وبحسب مصلحة الاحصاءات العامة والمعلومات لعام 2010م، فإن المنشآت المغلقة نهائيا أو مؤقتا أو خالية تفوق 250 ألف منشأة كان من المفترض ان تكون هذه المنشآت رافدا للاقتصاد الوطني وداعما لعملية التوظيف لو ساعدناها على الاستمرار.ولهذا اقترح على وزارة العمل ان تحدث تشريعاتها لتلائم الواقع وان تستثني المؤسسات والمنشآت الصغيرة والجديدة من عملية السعودة على الاقل في اول سنتين ولأخذ الاعتبار بعدد العمالة، وان يكون هناك حد ادنى معقول يتناسب وطبيعة عمل كل منشأة.