حسن السبع

من التهذيب إلى التغييب

يستخدم بعضهم، وبشكل مجازي، عبارة "موائد الأدب" و"موائد التراث". وإذا كان التراث مائدةً، حسب تعبيرهم، فهو أشبه بـ (بُوفَيه مفتوح). يمكنك أن تختار منه ما يناسب ذوقك وشهيتك، دون أن تفرض هذا الذوق على الآخرين، فتهذِّب كتاب الأغاني، وتشذِّب ألف ليلة وليلة، وتتعامل مع التراث من منطلق موقف أيديولوجي صارم. من يتعامل مع التراث الأدبي والفكري، فهو يتعامل مع التاريخ؛ مع الخطوات التي خطاها الإنسان نحو المدنية. وسيكون التعامل فعَّالا ومنتجاً إذا ما نُظِر إلى الماضي بانفتاح ورحابة صدرٍ وعقل. قد تهز بعض الروايات والأخبار الصورةَ الزاهية التي رسمناها لبعض الشخصيات التاريخية، لكن التاريخ لا يُغَرْبَل أو يُلَمَّع مراعاة لخاطر الأموات. وإذا كان التاريخ سجلاَّ لأحوال الأمم السابقة، ورصداً للأحداث والوقائع، فهو صناعة بشرية. مع ذلك، فقد وُجِد دائما من يراه فوق النقد والمساءلة في جانب من جوانبه، ولا يرغب أن يراه أشعثَ أغبر في جانب آخر. لذلك يتم تلميعه وغربلته من كل شائبة تشوب الصورة المرسومة في أذهان المزوِّقين. وبهذا يلمّعون صورتهم، كونهم ما زالوا يمارسون عزلتهم الفكرية بين جدران الماضي. من أساليب مزوِّقي أو "ممكيجي" التراث ما يثير الضحك. فقد يعتمد بعضهم عند التشكيك في صحة خبر أو رواية تراثية على عبارات فضفاضة بعيدة عن روح البحث العلمي. ومن أطرف ما قرأت لأحد المهووسين بغربلة التراث الثقافي قوله: "نتعجب من نسبة هذا الخبر إلى فلان". لكنه لا يشرح لنا لماذا يتعجب؟ ثم تجاوز حالة التعجب إلى جملة إنشائية أخرى فقال: "لا يستطيع عاقل أن يصدق هذا الخبر". وفي سياق مماثل قال: "كيف يرضى رواة الأخبار والسير بتصديق هذا الخبر؟" لكنه لا ينوّرنا بأسباب ضعف الخبر أو تهافته. ليس هنالك ما يحول دون نقْضِ رواية ما، أو إبراز تهافتها وفقَ معايير نقدية مقنعة. غير أن تلك العبارات الإنشائية الفضفاضة لا تتكئ على منطق، ولا يأخذ بها إلا ساذج لا يعرف أبجديات البحث العلمي. ويبدو لي أن أسلافنا لم يكونوا مسكونين، أثناء تأليفهم لتلك الروائع الأدبية، بقلق المؤرخين. فبعض الكتب تقع في منزلة وسطى بين التاريخ والأدب، وأن الرواية، وإن أخفقت في توخّي الدقة، قد تدل القارئ على الأجواء الثقافية والاجتماعية والسياسية السائدة في عصر سابق، وأن تدوين الخبر، وإن كان ضعيفا، أفضل من تجاهله أو تغييبه. يكفي من الحكاية دلالتها. إن حكاية "ملفَّقة" ذات دلالة مؤثرة أفضل من خبرٍ صحيح مجرَّدٍ من المعنى. لذلك فإنه لا جدوى من محاكمة كتب التراث وفقا لمعايير المؤرخين الصارمة. ما الذي يفعله المؤرخ غير رصد الحوادث وتدوين الأرقام. كل شيء صامت وجامد وغائب عن الوجود حتى تلمحه عين الأدب والفن فتدبُّ فيه الحياة، ويكتظُّ بالمعنى. وبدون تلك اللمحة السحرية، يتحول التاريخ إلى أرشيف معتم، أو متحف لحفظ المومياء، أو "فِترينة" لعرض القطع الأثرية.تبدأ الأشياء صغيرة ثم تكبر، وتبدأ فكرة ثم تتحول إلى فعل. لذلك ارتفع سقف تطلعات ذلك التفكير المنغلق، فانتقل من طور التهذيب والتشذيب للتراث الثقافي المكتوب إلى طور الطمس والتغييب. وكانت تلك مقدمة لما نشهده اليوم، وعلى الهواء مباشرة، من اعتداء وحشي على كنوز التراث الثقافي، وتدمير شواهد المنجز الحضاري الإنساني بطريقة همجية تثير التقزز والحزن. * متخصص في الإدارة المقارنة