المخدرات حرب الدولة والثقافة والمجتمع
قبل سنوات طويلة خَسِرت إنسانا طيبا؛ بسبب آفة المخدرات قاتلها الله، حيث كنت اعمل في إحدى الدول، وكان احد الموظفين المحليين يجيد اللغة العربية وكان عونا لي في تعلم لغة تلك البلاد، شاب خلوق بسيط مهذب حاصل على تعليم عال، ومن أسرة فيها الطبيب والمثقف ورجل الأمن، ومع ذلك كان احد أهداف تجار المخدرات وسقط في آفة الإدمان، لاحظت عليه كثرة غيابه، وتحججه الدائم بالمرض والتعب والظروف الخارجة عن السيطرة، المفيد أنني فهمت أن انقلابا في حياة ذلك المخلوق قد تحقق، وغاب بشكل كامل عن لقاءات تعلم اللغة، ولم اعد ألاحظ وجوده في العمل، وشاءت الصدف أن أكون مع احد الضيوف في موقع ثقافي مرموق حين تقدم لي شخص وعرفني بنفسه بأنه والد الشاب الذي غَدرته المخدرات وأقعدته عن العمل والحياة، انتحينا جانبا وقص لي الكثير وأهم ما اخبرني به أن ابنه يخضع لعلاج في مصحة خاصة، وان العلاج يكلف الأسرة ميزانية ضخمة من دخلهم جميعا، ومع ذلك فالجميع يضحي، أملا في شفاء الابن وعودته للحياة الطبيعية. في ذلك الوقت ربما لم نكن في المملكة العربية السعودية قد أصبحنا نواجه مشكلة حقيقية مع المخدرات، وعلى المستوى الشخصي لم أكن قد سمعت بمستشفى الأمل الخاص بعلاج حالات الإدمان على المخدرات، كل هذه المعطيات جعلتني انظر برفق وشفقة إلى ذلك الشاب الذي راح ضحية المخدرات وكلف أسرته فوق ما لا يطيقون في علاج لا تعرف نتائجه.ومع تطور وسائل الاتصال واتساع نطاقات الحياة وتبعاً لتأثيرات الظروف العالمية والإقليمية والمحلية، أصبحت هذه الآفة ظاهرة تغزو الدول، وتلوث الثقافة وتهدد المجتمعات، والمملكة من هذه الدول والمجتمعات المستهدفة بكل تأكيد في قوتها البشرية وفي عمقها الثقافي وبنائها الاجتماعي، وبالتالي في أمنها واستقرارها ورخائها الاقتصادي، كل تلك حلقات متداخلة ومستهدفة من قبل جماعات وأفراد ودول تخطط لجعل المخدرات ونشرها في مجتمع ما حصان طروادة يهدم عرى المجتمع من الداخل، ويجعله هيكلا خاويا من مقومات الحياة والقوة، المفزع في حرب المجتمعات مع آفة المخدرات وإدمانها أن النتائج العلمية تفيد في معظم بلاد الدنيا وبشكل خاص في المنطقة العربية والبلاد الإسلامية وهذه الآفة أصبحت تنتشر بشكل سريع وبين كل طبقات المجتمع الدنيا منها والراقية والأكثر رقيا ورفاهية، بمعنى أن كل المجموع البشري محل استهداف، ولعل أعمق الدراسات التي تحمل التنبيه للناس من هذا الطوفان تؤكد أن هناك متوالية طردية بين نسبة انتشار المخدرات والإدمان عليها، وبين كتلة النشاط الإجرامي في المجتمع. والإشارة التي ربما تكون الأكثر خطورة وحساسية على مستقبل المجتمع أن انتشار المخدرات وترويجها يستهدف الشباب طاقة المجتمع والأمة ووقود المستقبل، في مرحلة عمرية تكاد تكون ما بين مرحلة الدراسة الثانوية والجامعية، وما بعدها، وهناك دراسات جادة تكشف الغطاء عن خطورة المخدرات وإدمانها تؤكد أن أطفال المدارس في المراحل الأولية وفي حدود سن التاسعة هم أهداف مرشحة ومحتملة لحالات الإدمان والتعاطي. ولا يمكن في تقديري فهم أبعاد ظاهرة المخدرات وخطورتها على المجتمعات النامية من جعل فئة من سكان هذه المجتمعات تتراوح بين ٥٪ مدمنين تقليديين، بمعنى أنهم الطبقة الأولية المستهلكة لما أصبح يعرف في بعض المجتمعات بالمخدرات التقليدية، وهي الأنواع الأكثر انتشارا بين الناس، والتي أصبح وجودها المتكرر وتعامل الناس معها بشكل يومي أمرا مألوفا لا يثير غرابة ولا استهجانا، وهذا ربما مرده إلى أسباب عقلية لدى الناس رسخت لها ثقافة التنميط الاجتماعي التي تجعل تعاطي بعض الأنواع شيئا مقبولا في ظل العادة والتقليد. والحقيقة التي يجب أن لا يغفل عنها احد هي أن المخدرات وإدمانها انعكاس لمشاكل المجتمع الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، وكم كنت مسرورا وأنا أتابع أخبار اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات السعودية وهي تنسق الجهود مع رجال أعمال سعوديين لتذليل العقبات أمامهم لبناء مراكز استشفاء من الإدمان في عدد من المناطق في المملكة، وهذا يؤكد ضرورة مساهمة القطاع الأهلي في التصدي لأخطار هذه الظاهرة، وهو في ظني دور جوهري تجاه المجتمع، وهو وعي من اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات بدور القطاع الأهلي والمدني ثقافيا واقتصاديا في التوعية والعلاج، لأن هذه اللجنة - كما افهم - هي المسئولة عن رسم السياسة الوطنية لمكافحة المخدرات ودرء أخطارها عن الوطن وأهله. أمر آخر في غاية الأهمية، وهو وجود المركز الوطني لاستشارات الإدمان، الذي يقدم الاستشارات والنصائح للشباب ويساعد المدمنين بطريقة سرية تحفظ لهم خصوصيتهم، وتنقذهم من الانغماس في الإدمان وجرائمه. ومع ذلك وتبعا لما يسمع المرء ويقرأ ويشاهد، فإننا نحتاج لمزيد من الجهود الجادة والإمكانات للوقوف في وجه هذه الحرب التي تدمر الإنسان ومجتمعه وثقافته، ولعل من المفيد أن اختم بمقولة لسمو ولي العهد «حفظه الله» صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن نايف رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات حيث قال في إحدى المناسبات: إن «آفتي المخدرات والإرهاب هما الأخطار الحقيقية التي تهدد أمن واستقرار هذه البلاد». مستشار وباحث في الشأن الدولي